آخر تحديث: 5 / 10 / 2026م - 11:22 م

كيف نتعامل مع الأفكار؟

محمد المحفوظ *


لا شك أن دراسة المنظومات الفكرية والثقافية، دراسة مجردة عن واقعها وتجربتها ونماذجها وتاريخها الاجتماعي والسياسي، لا يؤدي بنا إلى السبيل الصحيح، والسبب في ذلك يرجع إلى أن الواقع والتجربة والتاريخ أصبحت جزءًا لا يتجزأ من المنظومة الفكرية، بل عن طريق «التجربة» نستطيع اكتشاف وسبر أغوار المنظومة، حتى نتعرف إلى إمكاناتها، وآليات عملها، والقاعدة الاجتماعية التي تستند إليها.

لذلك، وحتى يكون منهجنا موضوعيًا في دراسة وتقويم المنظومات الفكرية والثقافية، ينبغي ألا نعزلها عن واقعها التاريخي والاجتماعي، وبالتالي عن السياق الحضاري الذي انطلقت منه غاياتها وأهدافها.

فالمنظومات الفكرية ليست منفصلة عن جذورها العقدية والفلسفية، بل هي انعكاس لها وترجمة إنسانية لبنودها ومبادئها.

فالجذور العقدية والفلسفية تمثل الحافز الضخم الذي يحرك العقل، ويثير المواهب، ويراكم الخبرات، وينمي العلم، ويدفع دائمًا باتجاه التطوير والتغيير.

ولكن هذا لا يعني أنه إذا فشلت التجربة أو تعثرت، فيكون ذلك دائمًا من جراء المنظومة الفكرية باعتبارها جملة مبادئ وخيارات.

فليس بالضرورة أن يكون فشل التجربة فشلًا للمنظومة الفكرية؛ لأن هناك عوامل عديدة للفشل والإخفاق مرتبطة بالواقع الاجتماعي والاقتصادي، والتغافل عن هذه العوامل، وإلصاق التبعة بالمنظومة الفكرية، لا يؤدي إلى التشخيص السليم للواقع والتجربة.

وإنما من الضروري أن يكون التقويم دقيقًا وموضوعيًا وبعيدًا عن كل المسبقات الفكرية والسياسية.

وهذا بطبيعة الحال يؤكد ضرورة الفصل الموضوعي بين الأشخاص والأفكار، إذ إن الدمج والتماهي بين الطرفين يؤدي إلى بروز نزعات السيطرة والهيمنة، وإخضاع الأفكار والقيم للمصالح الضيقة للزعيم أو الشخص أو الأشخاص الذين يتبوؤون، لأي سبب كان، موقعية متقدمة في المحيط الاجتماعي الذي يناصر هذه الأفكار ويعتبرها جزءًا من وجوده وحياته.

ونظرة فاحصة إلى عدد من التجارب السياسية والاجتماعية في التاريخ العربي والإسلامي تكشف أن أحد الأسباب الرئيسة لبروز نزعات السيطرة والهيمنة هو التماهي والدمج الشديد بين الرجال والقيم، بحيث يتحول الرجال إلى المعيار الوحيد في تقويم الأمور والأفكار؛ فالاختيارات الفكرية صحيحة ما دام الرجال قالوا بذلك، بعيدًا عن الدراسة الواعية والموضوعية لتلك «الاختيارات الفكرية»، وهي خاطئة وسقيمة ما دام الرجال عارضوها ووقفوا موقفًا مضادًا منها.

فالكثير من نزعات الهيمنة والإقصاء يأتي من جراء التماهي والدمج الشديد بين الأفكار والرجال، وما دام الدمج مستمرًا، فإن البنية الاجتماعية والثقافية التي تولد نزعات السيطرة تظل مستمرة.

لهذا، من الأهمية بمكان إيجاد مسافة بين الأفكار والقيم والتجارب التاريخية والبشرية لهذه الأفكار؛ إذ إن فشل التجربة لا يعني بالضرورة فشلًا للفكرة.

فسقوط أي تجربة تاريخية لا يعني الحكم الكاسح على المشروع الفكري بالفشل.

وإنما من الضروري أن نبحث عن العوامل الحقيقية التي أدت إلى فشل وإخفاق التجربة البشرية المعتمدة على تلك الأفكار. فالتماهي والتطابق التام بين المبدأ والواقع ليس بمقدور الإنسان القاصر والنسبي فعله.

وإنما مهمته الحقيقية تتجسد في التشخيص السليم لواقعه، ثم العمل ضمن إمكاناته على معالجة الأمور والأمراض التي يعاني منها ذلك الواقع. وفشل هذا الإنسان في التشخيص أو المعالجة لا يعني البتة الفشل الجذري القابع في أصول أفكاره وأسس ثقافته وخياراته العامة؛ إذ في كثير من الأحيان يكون الفشل وليد العوامل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وليس من جراء انحراف النظرية الفكرية.

وهذا يدفعنا إلى القول بضرورة الفصل الموضوعي، في مستوى تقويم النظريات ومساحة فعلها في الواقع الاجتماعي، بين الأفكار الكبرى التي انطلقت منها هذه النظريات، وبين الواقع الاجتماعي والحضاري الذي عملت وتحركت في فضائه هذه النظريات، وذلك حتى يكون تقويمنا للتجارب الإنسانية عادلًا؛ لأن آفة العدالة في التقويم هي إسقاط الأفكار الخاصة أو المواقف المسبقة والقبلية على واقع مغاير زمانًا ومكانًا وبشرًا.

وحتى لا نقع أسرى التبرير والتسويغ الدائم، نقول إن من الأخطاء الكبرى التي قد يقع فيها الكثير من الناس حين تقويم الأفكار والنظريات الثقافية إلباس الفهم الإنساني لباس المطلق والخلود؛ إذ إن التعاطي مع الأفكار المنتجة بشريًا وكأنها خالدة وصالحة لكل زمان ومكان هو الذي يؤدي إلى بروز حالات الدمج والتماهي المطلق بين الأفكار والرجال، بحيث يكون الرجال هم المرجعية المعرفية الأخيرة، وهذا بطبيعة الحال يشوه الأفكار ويجعلها حبيسة فهم بشري محدود.

ولعلنا لا نبالغ حين نقول إن الكثير من المشكلات التي عانت منها مجتمعات عربية وإسلامية عبر مراحل مختلفة هي، في المحصلة الأخيرة، وليدة إعطاء صفة المطلق والخلود للفهم الإنساني، مما يؤدي إلى التعسف في التقديم والمعالجة والقفز على حقائق الأمور ووقائع الزمن.

وحتى نخرج من هذا النفق الذي يؤدي إلى تراجع الأفكار والقيم لصالح النزعات الفردية والمصلحية، ينبغي التأكيد على النقاط التالية:

1 - ضرورة توفير مناخات فكرية وثقافية واجتماعية لتبادل الآراء والأفكار بانسياب، وذلك لأن توفر هذه المناخات هو الذي يخلق الظروف والتقاليد الضرورية لإعادة التوازن للعلاقة بين الأفكار والأشخاص.

2 - العمل المستديم لإيجاد مسافة نقدية بين عالم الأفكار والأشخاص، حتى لا تطغى النوازع الفردية وتكون هي الفيصل في الأمور والقضايا. وتتأتى المسافة النقدية التي نراها ضرورية بين عالم الأفكار والأشخاص من جراء الفهم العميق والواعي للأفكار، وتاريخها، والظروف العامة التي نشأت فيها، والغايات التي صنعتها، والقاعدة البشرية التي اعتمدت عليها في تحقيق ذلك.

فالفهم العميق للأفكار هو الذي يمنع من تسلط الرجال عليها؛ لأن الوسائط البشرية بين عالم الأفكار وعالم الأشخاص تكون، في كثير من الأحيان، هي التي تهيئ الأرضية للتماهي المطلق بين العالمين.

3 - ضرورة إحداث نقلة نوعية في الحياة الثقافية والفكرية العربية، قوامها إعطاء الأولوية للبرامج ومشاريع العمل، وليس للشعارات الأيديولوجية الكبرى.

لأن الاستغراق في هذه الشعارات يحول دون توفر حياة ثقافية عربية سليمة.

تاريخ الأفكار

هناك علاقة جدلية تربط الأفكار بالواقع، حيث إنه لا يمكن أن توجد فكرة وتنمو بدون الواقع بأضلاعه الثلاثة: «الزمان - المكان - الإنسان»، كما لا يمكن لهذا الواقع أن يعيش ويتطور وينظم علاقاته الداخلية والخارجية بدون الفكرة أو جملة من الأفكار تشكل نسقًا نظريًا متكاملًا.

من هنا فإن المدخل الطبيعي لفهم الأفكار هو فهم الظرف والواقع الذي برزت فيه الأفكار فهمًا حقيقيًا، وهي في عالم التجريد والمثال والبعد عن الواقع بمعطياته العديدة. كما أن الواقع، بأحداثه وتحولاته، بإيجابياته وسلبياته، بإنجازاته وإخفاقاته، لا يمكن أن ندركه حق الإدراك ونفهمه حق الفهم بدون فهم الأفكار التي عملت وأثرت في ذلك الواقع.

نحن بحاجة إلى فهم الأفكار التي صنعت أو شاركت في صنع ذلك الواقع، كما أننا لكي نفهم الأفكار نحن بحاجة إلى فهم الواقع الذي هو وعاء الأفكار وحاضن الممارسات العملية والبرامج والخطط والسلوكيات المتعددة والمتنوعة المناحي.

ونخطئ خطأ فادحًا حينما نحاول، بشكل متعسف، أن نفصل بين العنصرين؛ حيث إن تجريد الواقع من الأفكار يحوله إلى مجموعة من الأحداث المتناثرة التي لا صلة فعلية لبعضها ببعض، كما أن انتزاع الأفكار من الواقع يسقطنا في متاهات التعميم والتعصب لجملة من الأفكار قد تكون صالحة لزمان دون آخر أو لمكان دون آخر.

لذا فإننا نظلم الأفكار ولا ندركها في سياق تطورها الطبيعي حينما نقرأها بعيدًا عن الواقع الذي نشأت فيه، كما أننا قد نخضع الواقع لمبتغياتنا وأهوائنا الفكرية حتى لو كان الواقع يسير في الاتجاه المعاكس.

وجماع القول إن هناك علاقة تربط الأفكار المعيارية مع الواقع التاريخي والمعاصر، وحركة الإنسان في الوجود تتجه إلى تحقيق الفكر المعياري في الواقع. لذلك فالمدينة الفاضلة في المنظور الماركسي هي التي تنعدم فيها الطبقات ويتحرر فيها الإنسان من الضرورة الاقتصادية ونظام تقسيم العمل، وهكذا يختلف شكل المدينة الفاضلة من إنسان إلى آخر أو من مدرسة فكرية إلى أخرى، والسبب في ذلك يرجع إلى اختلاف الفكر المعياري والإطار المرجعي من طرف إلى آخر.

فالأفكار لا تتحرك وتتطور في فراغ، بل هي تنمو وتتطور في إطار واقع اجتماعي تاريخي، وهذا الواقع الاجتماعي التاريخي يعكس تأثيره الطبيعي على عالم الأفكار والتصورات النظرية. لهذا يقول علماء المنطق إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.

لهذا فإن تجاهل الواقع والظرف الاجتماعي والتاريخي الذي نشأت فيه الأفكار لا يوصلنا إلى فهم دقيق لتلك الأفكار؛ لأن انتزاع الأفكار من سياقها الطبيعي «الاجتماعي - التاريخي» والنظر إليها باعتبارها فكرة في الفضاء المجرد يجعلنا إما نتجه صوب تعميم الفكرة وإعطائها حجمًا أكبر من حجمها، أو نحبسها في إطارها الزماني، فنخسر الدروس والعبر من تلك التجربة الفكرية - الاجتماعية.

فالواقع والفعل الاجتماعي يستدعيان الفكر، لذلك فإن عمليات التفاعل والتفاكر والحوار هي الطريق المأمون إلى تحقيق الخصوبة المطلوبة لعملية النهوض الحضاري.

وقد أخذت جدلية العلاقة بين الفكر والواقع نصيبها من صراع الفلاسفة. فمنذ الفكر اليوناني القديم يتحدث أفلاطون في محاورة «السفسطائي» عن الصراع بين اتجاهين في الفلسفة؛ يقول أنصار الأول منها، الذين ينعتهم أفلاطون بأنهم قوم كريهون، إنه لا يوجد إلا الملموس والمحسوس، ويزدرون القائلين بوجود ما هو غير جسمي، في حين يؤكد فلاسفة الاتجاه الثاني أن الوجود الحق مثل معقولة ومفارقة.

وفي العصر الحديث وصف ليبنتز أبيقور بأنه كبير الماديين، ونعت بالمقابل أفلاطون بأنه كبير المثاليين. وقال هيلفيتيوس، في معرض الحديث عن تضاد المادية والمثالية في مؤلفه «الإنسان»: إنني أقارن هذين الضربين من الميتافيزيقا بنسقين فلسفيين مختلفين: ديمقريطس وأفلاطون؛ فالأول يصعد تدريجيًا من الأرض إلى السماء، أما الثاني فينزل تدريجيًا من السماء إلى الأرض. [1] 

وفي الدائرة الإسلامية يتأكد الاهتمام بفقه النص والواقع للعلاقة الحميمة التي تربطهما بعضهما ببعض؛ لأن الواقع كله وبمفرداته المتعددة أصبح، في حقيقة الأمر، من متعلقات الأحكام الشرعية.

لذا فقد اهتم علماء الأمة وفقهاؤها بمعرفة أسباب نزول النص من أجل الإلمام بالظرفية التي صدر فيها الكلام القرآني أو النطق النبوي، للتوصل إلى صناعة التفسير وبناء علم الحديث، دون أن يفقد النص الشرعي سلطته التشريعية وعموميته، ودون أن يؤول إلى نسبية تاريخية.

ولذلك قال السيوطي في كتابه «الإتقان في علوم القرآن»: وقد نزلت آيات في أسباب، واتفقوا على تعديتها إلى غير أسبابها.

وعلى هدى هذه الحقيقة التي تربط النص بالواقع، حارب الدين الإسلامي كل محاولة لعزل النص عن الواقع أو عزل الواقع عن النص؛ لأن الإسلام ليس كيانًا غريبًا طارئًا على مسيرة التاريخ وحياة الشعوب وتطلعات الناس، وإنما الإسلام هو الحياة تستقيم على قيم عليا توجه مسيرتها وترشد حركتها.

والمسلمون هم الناس حين يستقيم فكرهم وخلقهم على تلك القيم، والنصوص كلها، وعلى رأسها القرآن، ليست عالمًا آخر يضاف إلى هذا العالم، وإنما هي شاهد بكلمات الله على خلق الله، على حد تعبير الدكتور أحمد كمال أبو المجد.

ونحن هنا، إذ نؤكد الصلة القوية التي تربط النص بالواقع، لا ندعو أو نطالب بعملية التماهي بين النص والواقع، أو نخضع النصوص للواقع بظروفه ومتغيراته، وإنما نريد أن نبرز عمق العلاقة التي تربط النصوص بالواقع في الدائرة الإسلامية.

لهذا كله، وحتى لا نقع في هذا التيه المزدوج بين الأفكار والواقع، نحن بحاجة إلى العناية والاهتمام بموضوع تاريخ الأفكار ومنهج التحليل التاريخي للأفكار؛ بمعنى أنه حينما يسعى المرء إلى دراسة فكرة ما، فمن الضروري ألا يعزل ظرف إنتاج الفكرة عن فهمه لها؛ لأن الظرف التاريخي والزمان والمكان لها جميعًا مدخلية أساسية في فهم الأفكار والقناعات الثقافية.

فالفكرة أو الأفكار ليست وليدة العقل المجرد، بل هي نتاج مجموعة من العوامل والأوعية. لذلك من الخطأ قراءة الأفكار بعيدًا عن تاريخيتها وظروف إنتاجها وزمانها؛ فلا يمكن للمفكر أن يفكر بلا واقع، كما أنه لا يمكن أن نفهم الواقع بلا أفكار؛ لأن هناك علاقة حميمة تربط الفكر بالواقع والعكس.

وثمة مسوغات عديدة تجعلنا نهتم بالتحليل التاريخي للأفكار وضرورة معرفة الواقع والظروف الذاتية والموضوعية التي نتجت فيها الأفكار وأصبحت في متناول الجميع، ويمكن تحديد هذه المسوغات في النقاط التالية:

1 - العلاقة الحميمة التي تربط الأفكار بالواقع، بحيث إنه من الصعب أن نجد واقعًا بلا أفكار وتصورات تدعمه وتبرر مسيرته، كما أنه لا يمكن أن نجد أفكارًا إنسانية بلا واقع.

2 - أن تاريخ الأفكار يمكننا من جعل الأفكار في سياقها الاجتماعي والثقافي الطبيعي، مما يساعدنا على اكتشاف قوانين التطور الفكري وعوامل التجدد الثقافي. أما أخذ الفكرة مجردة عن سياقها وظروف نشأتها فيجعلنا نتعامل معها وكأنها استثناء من أصل مجهول، أو معرفة مفردة جزئية من واقع كلي ما زالت أغلب أموره وعناصره مجهولة أو غامضة.

3 - الابتعاد قدر المستطاع عن الإغراق في المثالية، إذ إن استقبال الأفكار بشكل مجرد وبعيد عن ظروفها ومعطيات ولادتها يدفع باتجاه الإغراق في مسائل طوباوية لا تلحظ جانب الواقع ودوره في نمو الأفكار وشكلها السائد. ولعل الكثير من حالات الغلو في الفكر يرجع، بالدرجة الأولى، إلى الإغراق في المثالية الناتج من تجريد الأفكار من سياق تكوينها ونموها الطبيعي.

وبالتالي فإن العناية بتاريخية الأفكار تجعلنا نبدأ في ممارساتنا الفكرية من حيث انتهى الآخرون؛ لأننا سنستفيد من عمليات التراكم الفكري والثقافي، وهذه العملية ستدخل الأفكار في حركة اجتماعية عميقة، تنظم عمليات الربط والاستفادة من تراث الماضي وتطورات الراهن.

مسوغات المنهج التاريخي في قراءة الأفكار

لعل من المسائل الأساسية التي تحول دون حيوية الأفكار وفاعليتها على المستوى الاجتماعي فهم وتدارس الأفكار بعيدًا عن تاريخيتها، فتبقى في حالة راكدة سكونية وبعيدة كل البعد عن دورها الطبيعي في الحركة الاجتماعية.

ففهم الأفكار بتاريخيتها وظروف ولادتها هو الذي يشتت حالة السكون، ويقضي على الرتابة والجمود في فهم الأفكار، ويؤسس لفعل تطويري اجتماعي عام.

وثمة مسوغات تدفعنا تجاه الأخذ بمنهج التحليل التاريخي في قراءة الأفكار، وهذه المسوغات هي الآتي:

1 - أن الجديد من الأفكار لا يُصنع في فضاء مجرد، بل هو عبارة عن نقد وتطوير للأفكار المتداولة. ولعلنا لم نجد في تاريخ الفكر قاطبة أن فكرة ما أو مشروعًا نظريًا معينًا رأى النور فجأة أو صدفة، وإنما دائمًا الجديد من الأفكار يأتي على قاعدة نقد المتداول من الفكر مع إرادة التجاوز والتطوير.

فلا يمكن لجديد أن يبزغ إذا لم يقترن الجهد الفكري الباحث عن الجديد بنقد للتجربة التاريخية، وبوعي تاريخي لأزمات هذه التجربة ولمآزقها ولأشكال التمويه التي لجأت إليها خطاباتها المتنافرة شكلًا، والمتداخلة أو المتوحدة مضمونًا ومنهجًا، على حد تعبير الدكتور وجيه كوثراني. [2] 

2 - أن منهج التحليل التاريخي للأفكار يخرجنا من حالة الانشطار والثنائية في المفاهيم والأفكار التي سادت واقعنا الثقافي والفكري؛ فإن العودة إلى المنهج التاريخي هي التي تنقل واقعنا الثقافي من واقع الثنائيات والتشطير الاجتماعي على ضوئها إلى واقع الوحدة الاجتماعية، الذي تتفاعل على سطحه وفي عمقه مجموع الأفكار والمفاهيم ذات الاهتمام والإشكالية.

كما يؤدي هذا المنهج إلى الاهتمام بالنظرة المتكاملة للأنساق المجتمعية بأبعادها الاجتماعية والحضارية والروحية على حد سواء.

3 - المنهجية: إذ إن غياب المنهج التاريخي هو الذي يؤدي إلى انتشار الخطابات المختزلة، والقائمة على الرفض العدمي أو نسبة كل إنجاز إنساني إلى الدائرة الأيديولوجية التي ينتمي إليها الإنسان.

ولعل هذا هو الذي دفع بالمفكر الراحل محمد باقر الصدر إلى التنبيه إلى عدم الانزلاق إلى القول بعلم اقتصاد إسلامي، فقال بوجود مذهب اقتصادي إسلامي على موازاة مذهب الاشتراكية ومذهب الرأسمالية.

كما أن المفكر نفسه نبه الذين يحاولون أن يتعاملوا مع القرآن الكريم ككتاب علمي بقوله إن القرآن هو كتاب هداية للسلوك الإنساني والأخلاقي والاجتماعي، وليس كتاب علوم تستخرج منه النظريات العلمية على اختلافها.

فالمنهجية في قراءة الأفكار وهضم الثقافات الإنسانية لا تتأتى إلا بالمزيد من العناية بالمسألة التاريخية للأفكار.

فلا يمكننا، مثلًا، أن نفهم بشكل جيد الأفكار التي أحدثت التحول التاريخي في العالم الأوروبي إذا جردنا هذه الأفكار وتطورها النظري عن التجربة السياسية والاقتصادية والحضارية للعالم الأوروبي؛ لأن تجريد الأفكار عن واقعها لا يجعلنا ندرك ونفهم تلك الأفكار بشكل تام.

فالواقع بمعناه العام أضاف إلى الأفكار بعض ضروراته، كما هذب الأفكار التي تنحو منحى تجاوز الإنسان وظروف حياته وتحدياته المعاشة.

4 - العدل الثقافي: العدالة ليست دعوة أخلاقية تتجه فقط إلى تهذيب النفوس ونقاء القلب والسريرة، بل هي خريطة عمل متكاملة تستوعب جميع جوانب حياة الإنسان.

ففي علاقة الإنسان مع نفسه ينبغي أن يكون عادلًا، كما أن علاقة الإنسان بنظيره الإنسان بحاجة إلى العدالة القائمة على المشترك الإنساني وأخلاقية التسامح وحسن الظن.

وفي إطار المسألة الثقافية بمنابرها المختلفة وأطرها المتعددة، تقتضي العدالة في بعدها الثقافي تكوين العلاقات وفتح الجسور وتحقيق مفهوم التعارف مع الثقافات الإنسانية المختلفة.

لذلك فإن الانغلاق عنها أو عدم فهمها وفق القواعد العلمية يعد ظلمًا لتلك الثقافة؛ لأنها إنجاز إنساني عام بإمكاننا الاستفادة من عناصرها بما يخدم وضعنا وراهننا.

وتكوين العلاقات والتعارف مع المدارس الفكرية والثقافية الموجودة في الساحة ليس من أجل الدخول في حوار لاهوتي يهدف إلى الإقناع الثقافي، وإنما من أجل تحقيق مفهوم التعارف الثقافي المتبادل الذي هو التجسيد العملي لمفهوم العدالة في الدائرة الثقافية.

والتعارف الثقافي لا يتحقق بمعرفة القشور والفروع والنتائج لتلك المدارس فقط، وإنما نحققه عن طريق التعمق المعرفي في أصول الثقافات الإنسانية وفهم بنيتها الأصيلة من مصادرها المباشرة، وتاريخيتها، والظروف التي رافقت نشوءها واستمرارها، حتى لا نقع أسرى الإسقاطات الأيديولوجية التي تعني عدم الاعتبار بالأمور المذكورة أعلاه، وتغييب البعد التاريخي ودوره في إنضاج الأفكار وبلورة الثقافات.

وإن تجاوز هذه الأمور يعد ظلمًا صريحًا لمسيرة ثقافية ضخمة نختزلها في موقف سريع أو كلمة غامضة أو تصور مطلق لا يخرجنا من دائرة الفهم الضبابي أو الفهم المنقوص الذي لا يصح به اتخاذ موقف أو اعتباره معيارًا للتقويم.

وهذه المسوغات التي تدفعنا إلى الأخذ بالمنهج التاريخي في قراءة الأفكار ودراسة الثقافات الإنسانية ومراجعة ثقافتنا الذاتية هي منهجية تلزمنا جميعًا، أفرادًا وجماعات، بالوقوف مع النفس والتأمل في التطورات العلمية والثقافية، ودراستها بموضوعية واتزان، والعمل وفق النتائج المترتبة على ضوء تلك الدراسة الموضوعية.

ممارسة الفكر

يبدو أن من الفروق الأساسية بين الأمم والشعوب المتقدمة وغيرها من الشعوب والأمم التي ما زالت تعاني التأخر ومشكلاته طريقة تعامل هذه الأمم مع أفكارها.

إذ إن الأمم المتقدمة تسعى، حين قناعتها وإيمانها بفكرة، إلى البحث الجاد عن طريقة مناسبة لتنفيذها وممارستها. لذلك تكثر في هذه المجتمعات المبادرات والأنشطة الإنسانية التي تملأ فراغًا، وتساهم في تقوية المجتمع وقدرته على إدارة ذاته وتسيير شؤونه بنفسه.

أما المجتمعات التي تعاني التأخر، فهي لا تعتني بأفكارها الجادة والقادرة على انتشالها من واقعها، ولا بالبحث عن طرق أو خلق الظروف المواتية لممارسة أفكارها.

لذلك تكثر فيها المجادلات العقيمة التي لا تغني ولا تسمن من جوع، وتبرز في محيطها ثقافة التثبيط، ولا يكون بالإمكان القيام بدور حقيقي تجاه الواقع ومشكلاته.

فالمجتمع يبدأ بالتحضر حينما يمارس أفكاره ويسعى لتطبيق بنودها على واقعه؛ حينذاك تبدأ ملحمة البناء الحضاري.

والمجتمع الذي لا يمارس أفكاره يزداد هامشية وتأخرًا؛ لأنه يصنع لنفسه حواجز وعقبات وموانع تحول دون استفادته من الأفكار والرؤى والبصائر التي تقوي عزيمته وتنير دربه وتبلور مقصده.

فالتغيير والتطور ليسا معجزة، وإنما هما إرادة إنسانية متواصلة تأخذ على عاتقها ممارسة الأفكار الحضارية، وتبحث عن طرائق مواتية لكي تأخذ هذه الأفكار والرؤى طريقها في الواقع والمجتمع.

ولعل هذا هو الذي يفسر لنا إخفاق عدد من مشروعات التطوير والنهضة التي شهدها الواقع العربي والإسلامي في مراحل تاريخية مختلفة.

إذ إن التشبث بفضاء الكلمات الطنانة والشعارات السحرية، والتعالي الأجوف عن الواقع بقضاياه وهمومه، لا يصنع نهضة ولا واقعًا مواتيًا للنهضة والتطور.

والاكتفاء بذلك دون العمل على تنزيل أفكار النهضة إلى حقائق مجتمعية هو أحد الأسباب الرئيسية، في تقديرنا، لتعثر عدد من مشروعات النهضة في مراحل مختلفة من التاريخ العربي والإسلامي؛ لأن التستر بالشعارات والأفكار الكبيرة وعدم مكاشفة نفوسنا وعقولنا على ضوء هذه الشعارات والأفكار هو الذي جعل هذه الأفكار بعيدة عن واقعنا، وليست متكيفة «التكيف الإيجابي» مع النسيج المجتمعي.

لذلك كلما زدنا من وتيرة رفع الشعارات الطنانة والأفكار الكبيرة، ازددنا ابتعادًا عن واقعنا وازدادت صعوبات معرفته وفهمه.

إن ملحمة النهضة تبدأ بالانطلاق حينما نواجه أنفسنا، ونكتشف بيئتنا، وننطلق من هذه المواجهة والاكتشاف إلى خلق الأفكار والرؤى والبصائر المنسجمة مع متطلبات تلك المواجهة والاكتشاف.

وإن أحد الأسباب التي تعوق تقدم الشعوب والأمم هو حينما تحلق في فضاء الأفكار المجردة والشعارات الطوباوية، وتعتبر هذا التحليق بديلًا عن عملها وكفاحها وممارستها لأفكار البناء والتطوير.

إن التقدم لا ينجز إلا بالممارسة والعمل الجاد في سبيل تعميق أفكار التقدم في النسيج المجتمعي.

وإن إرادة التقدم والتطور لا تنضج وتتبلور بشكل مجتمعي إلا بسعي كل واحد من أبناء المجتمع إلى أن يمارس أفكار التقدم والنهضة في واقعه الخاص والعام.

فحينما نمارس أفكارنا ونزيل الحواجز بين واقعنا وأفكارنا، حينذاك تبدأ إرادة التقدم بالنضوج والتبلور التام.

أما دون ذلك فسيظل التقدم والتطور وكأنه رغبة عائمة في التمني والجمل الإنشائية، وهذا لا يقود إلا إلى المزيد من التقهقر والتأخر تحت «يافطة» التقدم والتطور.

وبهذا قد يتحول مشروع التقدم إلى معالجة شكلية لا تلامس جذور المشكلات ولا تعالج أسبابها الحقيقية، فيستر الخطأ ونقاط الضعف بدل الكشف عنها والعمل على اجتنابها، ويتعايش مع منابع التأخر بدل العمل على تجفيفها وحصار آثارها كمقدمة لإنهائها.

وانسياقًا مع هذه الصورة، يتحول الطبيب إلى من يخفي علل المريض ولا يسعى، بإمكاناته العلمية والفنية، إلى إنهاء هذه العلل والأمراض. وتصور معي، عزيزي القارئ، الآثار الخطيرة حينما لا يمارس الطبيب دوره المطلوب ويتحول إلى المهمة النقيضة.

ومشروع النهضة والتقدم ينتقل إلى المهمات النقيضة حينما لا يمارس أفكاره على واقعه، وحينما لا يهيئ وضعه النفسي والاجتماعي للتفاعل مع هذه البصائر والأفكار.

لذلك كله نرى أن من المهمات الأساسية التي ينبغي لنا جميعًا أن نوليها العناية والاهتمام ممارسة أفكارنا، والعمل على إذابة الجليد الذي يفصلنا عن الأفكار والرؤى.

وإن تقدمنا وتطورنا مرهون بقدرتنا على ممارسة أفكارنا، واجتراح الوسائل والطرق المناسبة لممارسة هذه الأفكار.

وإن ممارسة الأفكار هي التي تمد الأمم والشعوب بالقوة والقدرة على مواجهة التحديات والصعاب التي تواجهها، سواء الداخلية أم الخارجية؛ لأن ممارسة الفكر توفر في الأمة قدرة فذة على دمج كل فعاليات الحياة والواقع، وتوظيفها في حركة متساوية ومتناغمة صوب الأهداف الاستراتيجية للأمة.

من هنا ينبغي أن تكون علاقتنا بأفكارنا حية وخلاقة، حتى نتمكن من ممارستها وتحويلها إلى واقع عملي، وحتى نضيف إليها من تجربتنا وخبرتنا.

وحينما تجمد علاقتنا بأفكارنا، أو ننحبس في جوانب ضيقة من حياتنا، تفقد الأفكار حياتها وحيويتها، وتنعدم كل أطر التفاعل الخصب بيننا وبين أفكارنا؛ لأنها لن تكشف عن إمكاناتنا وآفاق التقدم أمامنا.

لهذا نجد أن المسلمين الأوائل حينما تنزل على الرسول ﷺ آية قرآنية وينقلها لهم، كانوا يجوبون الآفاق لتطبيقها وممارسة مقتضياتها، ثم يعودون إلى الرسول ﷺ لأخذ التعاليم الجديدة.

وبفضل هذه الأخلاقية الرفيعة والاستعداد التام لممارسة الأفكار والتعاليم الربانية، استطاع المسلمون الأوائل، وفي فترة زمنية وجيزة، أن يبنوا أمة خلاقة وحضارة شامخة.

من هنا ينبغي العمل على إنهاء كل صور وحالات الأمية الثقافية، والعمل على تشجيع القراءة ومتابعة النتاج الثقافي. ولا بد أن ندرك أنه كلما نجحنا في تقليص مساحة الأمية الثقافية، توفرت الفرص الكثيرة للتفاعل الإيجابي مع الأفكار، وتهيأت الظروف المؤاتية لممارستها.

فالفكر يتجرد من أية فعالية حينما يفصله حاملوه عن واقع حياتهم، ويتم خنقه حينما لا يتعامل معه المرء باعتباره مشروع حياة.

فحينما يكون مجال الفكر الذهن وكفى، حينذاك يتم خنق الفكر؛ لأن حياة الفكر ممارسته وتنزيله على الواقع، وأي طلاق بين الفكر والواقع سيفضي بنا إلى طريق مسدود؛ لأنه سيقطع كل جسور الوعي والفهم والحيوية التي يبلورها ويخلقها الفكر في حياة الإنسان.

وبهذا نتجرد من كل الإمكانات التطويرية التي يغرسها الفكر في الحياة الإنسانية. فالكلمات السحرية والمقولات الجاهزة والشعارات الفضفاضة لا تغير من الواقع شيئًا، وإن سبيل التغيير والتطوير هو العمل والممارسة على هدى الأفكار والبصائر العليا.

والمدارس التنويرية في التجربة الإنسانية لم تكن وليدة المقولات الجاهزة، وإنما هي وليدة العمل والفعل المنسق والمشروع الاستراتيجي الذي تنشده هذه المدارس التنويرية.

وأخيرًا، فإن رغوة الكلام لا تخلق فعالية تاريخية تتجه صوب البناء والإنتاج والتطوير.

وعلى ضوء هذه المسائل، ينبغي بيان أهمية ألا نتعامل مع أفكارنا وكأنها حقائق نهائية أو معطيات تتجاوز الزمان والمكان، وإنما نحن بحاجة دائمًا إلى فحص أفكارنا وإعادة صياغتها أو فهمها أو قراءتها.

فتطوير الفكر أو الأفكار سبيله الاشتغال عليها وفحصها ومساءلتها على ضوء التطورات والتحولات التي تجري في المعمورة.

وبدون التحرر من الرؤية النهائية للأفكار لا تتمكن المجتمعات من قراءة تطورات العصر قراءة واقعية وسليمة وبعيدة عن الأوهام والرهانات الخاطئة.

ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن أحد الأخطاء الكبرى التي وقع فيها عالمنا العربي والإسلامي، في عدد من مراحله وتجربته التاريخية، طريقة تعاطيه وتعامله مع أفكاره وشعاراته الكبرى التي يحملها في كل حقبة تاريخية.

إذ إن التعاطي مع هذه الأفكار وكأنها حقائق مطلقة، وبلا ضوابط أو معايير للتفاضل، جعل مجتمعات عديدة تعيش أوهامًا متعددة. ومن عمق وتمكن هذه الأوهام أنه قد تأتي الأحداث الجسام والتطورات الهائلة دون أن تحدث حركة باتجاه قراءتها بعيدًا عن هذه الأوهام ومتوالياتها النفسية والعقلية والاجتماعية.

ويضرب الدكتور علي حرب مثالًا على هذه الحقيقة حين يقول:

«وفكرة الحرية، كما جرى التعامل معها في المشاريع التحررية، تقدم مثالًا بارزًا على ممارسة التهويم الأيديولوجي. فدعاة التحرير قد تصوروا الحرية بلا قيد أو سلطة. وهذا وهم كبير أنتج أسوأ السلطات وأعتى الديكتاتورات؛ لأنه لا حرية لأحد ما لم يشكل سلطته أو يمارس فاعليته وحضوره في ميدان عمله أو في بيئته ومحيطه، لا على سبيل التعسف أو القهر والاستبداد، بل عبر الخلق والإنتاج أو على سبيل الفيض والازدهار». [3] 

إن تطورات الراهن على مختلف الصعد والمستويات تدفعنا إلى ضرورة إعادة النظر ومراجعة طريقتنا في التعامل مع أفكارنا؛ لأن طريقة التعامل مع الأفكار هي التي تحدد إمكانية الاستفادة من هذه التطورات أو استيعابها من عدمها.

فالكثير من الناس قد يحملون أفكارًا متطورة، ولكنهم قد يتعاملون معها بطريقة متخلفة وبعيدة عن كل أشكال الجدة والحيوية.

وبالعكس، فإن البعض يحمل أفكارًا رجعية ومتخلفة، ولا نصيب لها من التأثير في واقع الناس، إلا أن طريقتهم في التعامل مع أفكارهم طريقة حيوية وفاعلة، وبالتالي يكون لهم نصيب من التأثير.

فلا يكفي أن يحمل الإنسان أفكارًا متقدمة ومتطورة وذات طابع حضاري، وإنما لا بد أيضًا من طريقة حضارية وواقعية للتعامل مع هذه الأفكار.

فالمطلوب هو إعادة التفكير في طريقة تعاملنا مع أفكارنا، حتى يتسنى لنا جميعًا تنظيم علاقة جديدة وفاعلة مع أفكارنا، تساعدنا في استيعاب تطورات الراهن وتحولاته العميقة والمتسارعة.

فتطورنا وقدرتنا على اجتراح إمكانات وآفاق جديدة للمستقبل مرهونان بقدرتنا على نسج علاقات جديدة مع أفكارنا وخياراتنا السياسية والثقافية والحضارية.

فرهاننا الحقيقي ليس في استنساخ تجارب الآخرين وخياراتهم، وإنما هو تطوير علاقتنا بأفكارنا وتجديد طرق تعاملنا معها.

[1]  الفلسفة العربية المعاصرة مواقف ودراسات - مركز دراسات الوحدة العربية - بيروت - ص 415

[2]  مشروع النهوض العربي أو أزمة الانتقال من الاجتماع السلطاني إلى الاجتماع الوطني - دار الطليعة - بيروت

[3]  الفكر والحدث حوارات ومحاور - علي حرب - دار الكنوز الأدبية، ص 16 - بيروت
كاتب وباحث سعودي «سيهات».