خيارات ما بعد الشهادة الثانوية

ظلت المهن التشغيلية والحرفية الصناعية ردحًا من الزمن محل نظرة دونية لدى بعض المجتمعات، لا سيما مجتمعات الشرق الأوسط. إلا أن التطور الحضاري والتغيير الاجتماعي ساهما وما زالا يساهمان في تغيير نظرة عدد كبير من أبناء تلكم المجتمعات، وإن كان بعض الأفراد ما زال متمسكًا بالنظرة الدونية أو الاحتقارية لأصحاب المهن التشغيلية.
في هذا المقال أسلط الضوء بشكل خاطف، لعله يساهم في تجذير الاحترام لكل صاحب مهنة، من أسفل الهرم المهني حتى ذروته.
في السنوات الأخيرة، اختار عدد متزايد من الشباب، بإرادة أو اضطرارًا، منحى التدريب المهني القائم على العمل بدلًا من الالتحاق بالتعليم الجامعي التقليدي. ويجادل البعض بأن هذا التحول حدَّ ويحدُّ من الفرص الوظيفية القيادية المرموقة ذات العائد المالي المجدي والجاه والسطوة والنظرة الاجتماعية المهيبة، وحتى مستوى المصاهرة بما يليق طبقًا لتصنيف الطبقات الاجتماعية؛ يسلط آخرون الضوء على فوائده العملية وإضافاته المالية وأهميته الاجتماعية في التكامل الاقتصادي وتدوير المال داخل المجتمع. شخصيًا أعتقد اعتقادًا ترجيحيًا أن فوائد الانخراط في التعليم المهني تفوق العيوب أو نظرة أصحاب الإرث الاجتماعي المظلم الموصوم بالدونية، لا سيما في ظل المتغيرات المتسارعة في سوق العمل، وفي ظل تغير المعطيات والمنحنيات الاقتصادية.
إحدى الإضافات الرئيسية للتدريب المهني هي صلته المباشرة باحتياجات الصناعة والخدمات في المجتمع. على عكس البرامج الجامعية، التي غالبًا ما تؤكد دراسة النظرية دون الممارسة، في حين تزود برامج التدريب المهني القائمة على العمل الأفراد بالمهارات العملية والأسس المعرفية التي تعزز قابلية التوظيف في سوق العمل، وتسهم في سد الحاجة المحلية والاستغناء عن الاستقدام للأيدي العاملة المستوردة أو التقليل منها. لك أن تتخيل أن بعض الدول الشرق أوسطية تمت إعادة التشكيل الديموغرافي فيها بسبب الاستقدام، حتى بلغت نسبة المواطنين من السكان 16% فقط! توطين المهن التشغيلية مفيد بشكل خاص في مجالات مثل قطاع البناء والرعاية الصحية والتكنولوجيا، حيث يوجد طلب كبير على المهنيين المهرة، لا سيما في مجالي التكييف والسباكة. علاوة على ذلك، يدخل العمال المهنيون من المواطنين ضمن القوى العاملة في سوق العمل في وقت مبكر، ويكتسبون الكرامة المالية، ويتجنبون الديون الدراسية للطلاب. وقد أضحت الديون الجامعية التي يتحملها الطلاب لدفع تكاليف الدراسة مصدر قلق في العديد من البلدان الصناعية. بالإضافة إلى ذلك، تستفيد الشركات من القوى العاملة الماهرة المحلية، مما يقلل من الحاجة إلى التدريب المكثف ويعزز الإنتاجية الاقتصادية الوطنية.
نجحت دول مثل ألمانيا وسويسرا في تنفيذ أنظمة دراسة مهنية تلبي احتياجات السوق، مما أدى إلى انخفاض معدلات بطالة الشباب، وبالتالي خلق اقتصاد أقوى وتدوير مالي داخلي كبير واستقرار اجتماعي أكبر.
ومع ذلك، فإن أحد العيوب الهامة في مسلك الانخراط المهني المبكر هو التقدم الوظيفي المحدود في مجالات معينة، لا سيما ذات الاحترافية العالية. فمن المعروف أن المهن ذات الأجور المرتفعة «مهن أصحاب الياقات البيضاء، كما يُطلق عليها في الشمال الأمريكي»، مثل المحاماة والطب والهندسة، تتطلب شهادات جامعية من جهات معتمدة ومرموقة، مما يجعل من الصعب على المتدربين المهنيين تغيير مهنتهم في وقت لاحق من الحياة. وقد أدركت بعض الدول ذلك الهاجس مبكرًا وأدرجت برامج تعليمية تهدف لتجسير مهني - أكاديمي. بالإضافة إلى ذلك، يجادل البعض بأن التعليم الأكاديمي العالي يعزز التفكير النقدي والابتكار، وهو ما قد يكون أقل تأكيدًا في التعلم القائم على التدريب المهني والممارسات المهنية الروتينية من أعمال الصيانة والتشغيل. ومع ذلك، نجحت بعض الدول في إدراج مقررات تتضمن العديد من الدورات المهنية التي تهتم بالتفكير النقدي والابتكار في حل المشكلات والتقنية.
في بعض الدول الأجنبية تصاعدت تكاليف الدراسة بشكل جنوني، ولعل المتابع لنشرات الأخبار ببعض الدول الأوروبية سمع ويسمع عن جملة أحداث بسبب زيادة رسوم التكلفة للتحصيل العلمي الأكاديمي. كما أن المنافسة ومعايير القبول لدى بعض الجامعات آخذة في التصاعد بشكل مرهق للطلاب وإلى حد الإحباط. فتبدأ الشروط بمعدل 7 في اختبار IELTS, ومرورًا بمستوى ممتاز لمعدل الشهادة الثانوية، وختامًا بمقررات ذات علاقة ومقابلة شخصية. في بعض الدول الشرق أوسطية أضحت تكلفة رسوم السنة الدراسية الواحدة للمرحلة الثانوية تعادل رسوم الدراسة لكامل مرحلة البكالوريوس «4 سنوات» في دول أخرى! وهذا يأكل مدخرات الأسرة إن لم يجففها! ولا عجب أن عزف البعض عن إنجاب الأطفال إذا كان الأب طموحًا وحريصًا على تعليم أبنائه تعليمًا أكاديميًا مرموقًا وعاليًا.
أخذ عدد كبير من أولياء الأمور في أنحاء المعمورة اعتماد خيار الحصول على القروض التعليمية من البنوك لإكمال التحصيل العلمي لأبنائهم. المشكلة أن هناك تقارير أمريكية تنص على أن القروض التعليمية مجهدة للخريج الجامعي، وقد تمتص طاقته المالية على مدى يزيد على 6 سنوات!
هنا بدأ عدد كبير من أولياء الأمور في الدول ذات التكلفة العالية للتحصيل العلمي الأكاديمي في التفكير مليًا بالجدوى الاقتصادية لإدراج أبنائهم بالجامعات الخاصة!
بالجملة، نحن ننعم بنعم كثيرة، ولله الحمد، ولكن من المهم والجيد الاعتناء باقتناص الفرص أولًا بأول لكي نحدد المسار الأنسب للأبناء. ليست نسبة الذكاء لدى جميع الأبناء والفتيات مرتفعة أو منخفضة، ولكن من الجيد دراسة وتشخيص إمكانات كل فرد قبل الدخول في برامج تعليمية مكلفة. كما أن على كافة أبناء المجتمع إبداء كامل الاحترام والتقدير لكل عنصر مواطن منتج وفعال ومساهم في بناء التكامل الاجتماعي والاستقلال في إنجاز الخدمات المهنية.













