آخر تحديث: 4 / 10 / 2026م - 11:55 م

حين ترتفع الطاقة في الخارج ندفع ثمنها في الداخل

الدكتور ماهر آل سيف *


عندما ترتفع أسعار سلعة مستوردة في الأسواق المحلية، قد يُلام التاجر، ويُتهم المستورد، ويُقال إن الأسعار ارتفعت بلا مبرر؛ بينما الحقيقة الاقتصادية أوسع من واجهة المتجر، وأبعد من فاتورة المورد. فالسلعة المستوردة تبدأ رحلتها بالسعر في بلد المنشأ، ثم تُحمَّل بكلفة الطاقة، ثم الشحن، ثم التأمين، ثم النقل والتخزين؛ حتى تصل إلى رف المتجر وقد حملت معها تضخمًا فوق تضخم، وكلفةً تجر كلفة.

أول المؤثرات هو التضخم في بلد المنشأ. فإذا ارتفعت الكهرباء والغاز والوقود هناك، ارتفعت كلفة تشغيل المصنع، وتسخين الأفران، وتشغيل الآلات، وصناعة التغليف، ونقل المواد الخام. وفي مايو 2026 بلغ تضخم الطاقة في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية 15.8% على أساس سنوي. وفي الاتحاد الأوروبي ارتفعت أسعار الطاقة لدى المنتجين الصناعيين بنحو 14.3% في مايو 2026 مقارنة بالعام السابق.

والأمر لا يتوقف عند الطاقة؛ ففي يوليو 2026 ارتفعت أسعار المنتجين الصناعيين في منطقة اليورو 5.8% سنويًا، وهي زيادة تدخل بصورة أو بأخرى في تكلفة السلع التي نستوردها من المصانع الأوروبية.

ثم تأتي فاتورة الشحن. ودراسات صندوق النقد الدولي على عشرات الدول وجدت أن مضاعفة أسعار الشحن قد ترفع التضخم بنحو 0.7 نقطة مئوية، وأن أثر الصدمة قد يبلغ ذروته بعد نحو عام ويستمر حتى 18 شهرًا. وهذا يعني أن أزمة الشحن لا تنتهي بمجرد وصول السفينة؛ فقد يبقى أثرها في الأسعار لأشهر طويلة.

أما الحلقة الثالثة فهي التأمين البحري، خصوصًا في أوقات التوتر الجيوسياسي. ففي أزمة الخليج خلال 2026 ارتفعت بعض أقساط تأمين مخاطر الحرب على السفن بأكثر من 1000%، ووصلت في مراحل معينة من نحو 0.25% من قيمة السفينة قبل الأزمة إلى قرابة 3%. وفي يوليو وصلت بعض أسعار التأمين للملاحة عبر مضيق هرمز إلى 7.5%-10% من قيمة هيكل السفينة.

وهنا تتضح المعادلة:

سعر المصنع + تضخم بلد المنشأ + الطاقة + الشحن + التأمين + التخزين والنقل = السعر النهائي للمستهلك.

فلو كانت سلعة قيمتها الأصلية 100 ريال، فإن ارتفاع تكلفة تصنيعها في الخارج إلى 105 ريالات، ثم إضافة شحن وتأمين وتكاليف لوجستية أعلى، قد يجعل وصولها إلى المستورد بـ 110 أو 115 ريالًا قبل أن يضيف عليها مصاريفه وهامش ربحه.

ولذلك فإن التضخم المستورد لا يحتاج أن يبدأ من أسواقنا؛ فقد يبدأ من محطة كهرباء في أوروبا، أو ناقلة في البحر، أو شركة تأمين في لندن، ثم يصل إلينا داخل صندوق مكتوب عليه: صنع في الخارج.

في الاقتصاد، المسافات بعيدة.. لكن الفاتورة تصل قريبة.