مهارة الاقتناع

ليست المشكلة في أن الإنسان يملك رأيًا، فالرأي ضرورة عقلية وحاجة إنسانية، وإنما تبدأ المشكلة حين يتحول الرأي إلى هوية، وتتحول الفكرة إلى حصن، ويتحول النقاش إلى معركة وجود، عندها لا يعود الإنسان يبحث عن الحقيقة، بل يبحث عن الانتصار لها كما لو كانت قطعة من ذاته، وهنا تموت مهارة الاقتناع قبل أن تولد.
كثيرون يقرؤون الكتاب كما يقرأ المصحح ورقة امتحان، لا يدخلون إليه طلبًا للمعرفة، بل بحثًا عن الأخطاء، يفتح أحدهم الصفحة وفي ذهنه حكم جاهز، ثم يبدأ رحلة التفتيش عما يؤكد ذلك الحكم، فإن وجد فكرة توافقه ابتسم لها، وإن صادف فكرة تناقضه أشهر أدوات الرفض والتشكيك، والنتيجة أنه يخرج من الكتاب كما دخله لم يزد علمًا، ولم يخسر وهمًا.
هذا النمط من التفكير تصفه الدراسات النفسية المعاصرة بـ «الانحياز التوكيدي»، وهو ميل الإنسان إلى انتقاء الأدلة التي تدعم ما يؤمن به مسبقًا، وتجاهل أو تقليل قيمة الأدلة المخالفة. وقد أظهرت أبحاث متعددة أن الأفراد لا يعالجون المعلومات دائمًا بهدف الوصول إلى الحقيقة، بل كثيرًا ما يعالجونها بهدف حماية معتقداتهم السابقة والمحافظة على انسجامها مع هويتهم النفسية والاجتماعية.
ولذلك فإن بعض الناس لا يستمع إليك ليفهمك، بل يستمع إليك ليجهز رده، فتكون كلماتك بالنسبة إليه مجرد استراحة ذهنية يعيد خلالها ترتيب ذخيرة الاعتراضات، وما إن تنهي جملتك حتى ينقض عليها كما ينقض الصياد على فريسته. إنه لا يحاور الفكرة، بل يحاكمها قبل سماعها.
ومن المفارقات أن الإنسان كلما استثمر عاطفيًا في فكرة ما أصبح التخلي عنها أكثر إيلامًا، فالمسألة لا تعود متعلقة بالدليل، بل بصورة الذات، فالاعتراف بخطأ الرأي يبدو أحيانًا وكأنه اعتراف بنقص في الشخص نفسه، لذلك يصبح الدفاع عن المعتقد دفاعًا عن الكرامة والهوية والانتماء، لا عن الحقيقة بذاتها ووحدها.
ولهذا نجد أن المقاطعة ليست مجرد سلوك اجتماعي سيئ، بل هي في أحيان كثيرة انعكاس لحالة عقلية مغلقة، فالشخص الذي يقاطعك باستمرار لا يفترض أن لديك ما يستحق الإصغاء إليه أصلًا. إنه يتعامل مع الحوار باعتباره منصةً لإعلان الأحكام، لا لاكتشاف الأفكار، وحين تضعف القدرة على الإصغاء تضعف القدرة على التعلم، لأن التعلم يبدأ من الاعتراف الضمني بأن الآخر قد يملك جزءًا من الحقيقة لا أملكه أنا. كما أن البعض يقاطعك لأنه يجد في ذلك تكليفًا شرعيًا، حتى لو كان التكليف معارضًا للسلوك السوي والأخلاق.
إن الحضارات العلمية الكبرى لم تنشأ من اليقين المغلق، بل من الشك المنهجي، فلم يتقدم العلم لأن العلماء كانوا يبحثون عما يؤكد فرضياتهم، بل لأنهم كانوا يحاولون دحضها واختبارها. فالعقل العلمي لا يسأل: كيف أثبت أنني على حق؟ بل يسأل: كيف أتأكد أنني لست مخطئًا؟
ولهذا تشير دراسات التفكير المنفتح إلى أن الأشخاص الأكثر استعدادًا لمراجعة قناعاتهم وفحص الأدلة المخالفة هم الأقرب إلى تبني مواقف أكثر اتساقًا مع الحقائق المتاحة، بغض النظر عن انتماءاتهم المسبقة، فالعقل المنفتح ليس عقلًا بلا قناعات، بل عقل يمتلك الشجاعة الكافية لمراجعتها.
ولعل أخطر ما يصيب المجتمعات ليس اختلاف الآراء، بل فقدان مهارة الاقتناع، فعندما يصبح كل طرف مقتنعًا أنه يملك الحقيقة كاملة، ويتعامل مع مخالفيه باعتبارهم خصومًا لا شركاء في البحث، تتحول المعرفة إلى شعارات، ويتحول الحوار إلى ضجيج، ويتحول المجتمع إلى جزر معزولة تتكلم كثيرًا، لكنها لا تسمع.
إن الإنسان الناضج فكريًا لا يقيس نجاحه بعدد المعارك التي ربحها، بل بعدد الأفكار التي صححها، لأن الحقيقة لم تكن يومًا ملكًا لأحد، ولأن أعظم انتصار للعقل ليس أن يهزم الآخر، بل أن يهزم أوهامه الخاصة.
فمهارة الاقتناع ليست ضعفًا في الشخصية، ولا هزيمةً في الجدل، ولا تنازلًا عن المبادئ، إنها أعلى درجات الثقة بالنفس، لأن الواثق من عقله لا يخشى مراجعة أفكاره، أما الخائف منها، فيظل حارسًا لرأيه ولو كان ذلك الرأي سجنه الأبدي.












