شكراً لك أستاذي

يكاد لا يمر يوم علي إلا وتحضرني أيام الدراسة الجميلة والممتعة، بكل تفاصيلها وذكرياتها التي ما زالت عالقة في الذاكرة.
منذ نعومة أظفاري، في المرحلة الابتدائية، كنت أرى معلمي وكأنهم رسل من السماء، وكنت أحسبهم خلقًا منزلين ليقوموا بتنشئتنا منذ الصغر. لم يكونوا فقط يشرحون لنا المواد التعليمية، بل كانوا يأخذون من وقت الحصة عشر دقائق، فيها مواعظ تربوية ومواقف إنسانية وتوجيه أب لابنه. كنا آنذاك حديثي عهد بذلك العالم الخارجي، وكان المعلم بالنسبة لنا نافذةً نطل منها على الحياة.
وفي المرحلة المتوسطة، بدأت عقولنا تنضج شيئًا فشيئًا، وأصبحنا نميز جودة المعلم وقدرته على إيصال المعلومة. وأجمل ما كان يميز تلك المرحلة أن المدرسين كانوا يعاملوننا كرجال، ويمنحوننا مساحة من المسؤولية والثقة.
وكان التنافس واضحًا بيننا، نحن الأصدقاء والتلاميذ، فتبث فينا روح التنافس والتميز. وفي تلك المرحلة بدأت مواهبنا تتشكل وتصقل، في القراءة والرسم والكتابة، وحتى الوقوف أمام ميكروفون الإذاعة المدرسية لتقديم موضوعات بسيطة على قدر ما نملك من معرفة وإلمام. وكنا نلقى التشجيع من مدير المدرسة والأساتذة الأفاضل، وربما كانت كلماتهم البسيطة آنذاك سببًا في أن نواصل الطريق بثقة أكبر.
أما المرحلة الثانوية، فكان ما يميزها أن معلميها كانوا على قدر عال من التحصيل العلمي، والأهم من ذلك قدرتهم على توصيل المعلومة لكل طالب، وتشجيعنا على التفكير في تخصصاتنا ومستقبلنا. وكنا نكرم من إدارة المدرسة عند التفوق، وكان لذلك أثر كبير في نفوسنا، وساعدنا على الاستمرار في التميز.
ولعلنا اليوم، ونحن أكبر سنًا، ندرك أن تحضير المعلم للمادة ليس بالأمر البسيط؛ فخلف كل درس جهد معنوي وروحي، وحرص على أن تشرح المادة بأجمل صورة وأوضحها.
وفوق ذلك كله تأتي إدارة الفصل، وهي ليست بالأمر السهل؛ فهناك طالب مشاغب، وآخر يرى أن الحصة وقت مناسب للنوم، وثالث لم يعرف الجد والانضباط بعد، وهنا يأتي دور المعلم في ضبط إيقاع الفصل، وتحويله إلى بيئة للتعلم والانضباط والتفاعل.
وفي يوم المعلم، لا يسعني إلا أن أقول:
شكرًا لك أستاذي.
لولاك - بعد الله - لما كنت ما أنا عليه اليوم. كان لك دور كبير في صقل مواهبي، وبناء شخصيتي، ومنحي تلك الانطلاقة الأولى في هذه الدنيا.
ربما نسينا بعض الدروس، وبعض المعادلات، وبعض تفاصيل الكتب التي حملناها ذات يوم، لكننا لم ننس معلمًا منحنا كلمة تشجيع، أو موقفًا إنسانيًا، أو نصيحة بقيت معنا حتى اليوم.
لا يسعني إلا الدعاء لكم، مع جزيل الشكر والعرفان، أنالكم الله خير هذه الدنيا بجمالها وأمنها وبرها، على ما بذلتموه من أجل أجيال ربما لا تعلمون كم تركتم فيها من أثر.
لكل معلم ومعلمة… شكرًا لكم.
فبعض الجميل لا ينسى، وبعض المعلمين لا تنتهي حصتهم بانتهاء الجرس.












