النية الحسنة لا تكفي!!

«رامَ نفعًا فضَرَّ من غير قصدٍ، ومن البرِّ ما يكون عقوقًا»؛ بيتٌ للشافعي رحمه الله، يلمع كشرارة حكمةٍ في ليلٍ كثيف، ويختزل مفارقة الإنسان حين يمدّ يده إلى الخير، فإذا به من حيث لا يشعر يقلب النفع ضررًا، والنيّة الحسنة أثرًا يناقض غايته.
وكأنّ الشافعي رحمه الله كان يطلّ على أيامنا؛ فكم من مؤمنٍ يظنّ أنّه يسير في طريق خدمة نشر معارف أهل البيت
، غير أنّ الطريق إلى الخير لا تُقطع بالنيّة وحدها، بل بالبصيرة التي تميّز الصحيح من السقيم، وبالرَّوِيّة التي تمنع أن يتحوّل السعي الحسن إلى أثرٍ يناقض غايته، فيُضعف من حيث أراد التقوية، ويُفسد من حيث رام الإصلاح.
https://www.instagram.com/p/Dd4isDVAuX9
ومن صور ذلك ما يتداول في وسائل التواصل الاجتماعي من قصصٍ تُنسب إلى أشخاصٍ بعينهم، كالقصة المنسوبة إلى «حسنين محمد الموسوي» حول أربعة أسبابٍ للشلل النصفي، مأخوذة كما يُقال من كلام أهل البيت
، غير أنّ مراجعة الروايات المذكورة في تطبيق مكتبة أهل البيت
لا تُظهر لها أثرًا، وإن كانت بعض مضامينها موجودةً بصيغٍ أخرى لا تطابق النصّ المتداول.
ولم أكتفِ بالبحث في المصادر، بل تواصلتُ مع السيد حسنين محمد الموسوي نفسه عبر فيسبوك، وسألته عن القصة، فأنكر صلته بها، ونفى أن يكون هو صاحبها أصلًا وبذلك لا تقف المسألة عند غياب المصدر الذي يثبت نسبتها إليه، بل لدينا نفيٌ مباشر ممن أُسندت إليه، أمّا كيف نشأت هذه النسبة، فلا نملك عليه بيّنة، ولا يصحّ أن نتكهّن فيه أو ننسبه إلى أحدٍ بلا دليل.
والعجب ليس في انتشار القصة فحسب، بل في تساهل بعض المؤمنين في نشرها بدافع طلب الثواب، وكأنّ حسن النيّة يكفي ليجعل الخبر صحيحًا فالنيّة الحسنة تُحاسب عليها النفس، أمّا صدق الخبر فلا تصنعه النيّة.
وهنا يتجلّى معنى قول الشافعي: أن يقصد المرء النفع، فيقع في الضرر من حيث لا يشعر، غير أنّ الأمر لا يقف عند القصص المتداولة، بل يمتدّ إلى الروايات الطبيّة نفسها؛ فهي من المواطن التي تحتاج إلى تثبّتٍ مضاعف، كما في شأن التمر البرني وعلاقته بالفالج.
فقد ورد عن الإمام الرضا
«من أكل التمر البرني على الريق ذهب عنه الفالج» [1] ، وهو ظاهرٌ في أنّ التمر البرني سببٌ في علاجه أو الوقاية منه.
كما ورد عن الإمام الصادق
: «وأكل التمر البرني على الريق يورث الفالج» [2] ، وهو ظاهرٌ في العكس تمامًا.
وتعارضٌ كهذا لا يُعالج بالنشر العاطفي، بل بالتحقيق العلمي والحديثي؛ بالنظر في الأسانيد، وفحص المتون، ومحاولة الجمع أو الترجيح، وفهم السياق، ثم النظر في مدى توافق المضمون مع المعرفة الطبية الحديثة فالطبّ علمٌ تجريبي، ولا ينبغي أن يُلغى لصالح نصٍّ غير ثابت، كما لا ينبغي أن نستعجل في الحكم بتعارض نصٍّ قبل التحقق من ثبوته وفهم دلالته.
وهكذا يتبيّن أنّ نشر الروايات الطبيّة بدافع طلب الثواب، دون تحقيقٍ أو مراجعة، قد يوقع المؤمن فيما يشبه «العقوق» الذي تحدّث عنه الشافعي؛ إذ يقصد النفع، فيقع في الضرر من حيث لا يشعر، فيروّج ما لا أصل له، أو ما لا يُفهم على وجهه الصحيح.
إنّ تراث أهل البيت
بحرٌ واسع، لكنّ الإبحار فيه يحتاج إلى بصيرةٍ لا تقلّ عن المحبّة، وإلى تحقيقٍ لا يقلّ عن التوقير؛ فليس كل ما يُنقل يُنشر، ولا كل ما يُروى يُعتمد، ولا كل ما يتداوله الناس يُعدّ معرفةً نافعة، ما لم يُمحَّص ويُعرض على أهل العلم والاختصاص.












