آخر تحديث: 3 / 10 / 2026م - 11:35 م

أبواب من الساج

حين تحكي النجارة ذاكرة واحة القطيف

إسماعيل هجلس *

حين كنا صغارًا، ولم تكن أعمارنا تتجاوز الثانية عشرة، كنا نجوب صوابيط وزرانيق القلعة ركضًا وسباقًا، لا نبحث عن شيء، ولا نعرف أننا كنا نمشي فوق صفحات من تاريخ المكان. كانت أعيننا الصغيرة تلتقط تفاصيل كثيرة دون أن تدرك قيمتها؛ عتبة هنا، وقوس هناك، وباب خشبي كبير يلفت النظر، وواجهة بيت نتوقف أمامها لحظة ثم نواصل الركض. كانت تلك التفاصيل تمر أمامنا كجزء طبيعي من الحياة، بينما كانت في الحقيقة تحفظ شيئًا من ذاكرة المكان، وما زلت أتذكر بعض تلك المباني والبيوت كباب مسجد الزاير وحسينية السدرة، وباب بيت المرحوم عبدالمجيد الزاير، وباب بيت آل نصرالله، وباب بيت المرحوم حسن الجشي، وبيت إخوان، والمصطفى، والبيات، التي علقت في الذاكرة دون أن أعرف لماذا بقيت.

لم يكن لدي آنذاك الوعي بقيمة هذه التفاصيل، ولم أكن أعرف أن للباب حكاية، وللقوس لغة، وللعتبة دلالة، وأن البيت القديم يمكن أن يكون وثيقةً بصرية تختزن شيئًا من حياة أهله وبيئتهم وثقافتهم، لكن السنوات مضت وكبرنا، واتجهت إلى عالم العمارة وفنونها، وتبدلت نظرتي إلى المكان، أصبحت أعود بذاكرتي إلى تلك الممرات، فأكتشف أن ما كنت أراه بعين الطفل صار اليوم يُرى بعين مختلفة تمامًا، وبعض البيوت التي كانت مجرد مشاهد عابرة في طفولتي، استطعت أن أراها من جديد، وأن ألمس أبوابها وأتأمل تفاصيلها، ومنها باب بيت إخوان، والمصطفى والمرحوم عبدالمجيد الزاير، وباب بيت المرحوم حسن الجشي، وكأن الذاكرة أعادتني إليها بعد سنوات طويلة، ولم تتوقف الحكاية عند ما بقي من البيوت؛ فقد وجدت بعض تلك التفاصيل محفوظة في متاحف واحة القطيف، ومنها ما وثقته في متحف جعفر مرار بالقديح، ومتحف القطيف الحضاري ومتحف أصالة الديرة، ومتحف فتحي البنعلي بجزيرة دارين، وهنا أدركت أن الطفل الذي كان يركض في الصوابيط والزرانيق حافي القدمين، لم يكن يعرف أنه يجمع في ذاكرته شيئًا من تراث المكان وتاريخه، وأن بعض التفاصيل التي مرت أمام عينيه دون اهتمام، ستعود يومًا لتصبح جزءًا من ذاكرته البحثية، وربما جزءًا من حكاية أكبر عن العمارة والحياة في واحة القطيف.

الحرف اليدوية ذاكرة تستحق أن تصان

الحرف اليدوية مهن قديمة ارتبطت بحياة وأرزاق الناس، وهي جزء مهم من الذاكرة التاريخية والثقافية للمكان، تختزن معرفة متراكمة بالحرفيين والمواد والأدوات وطرق التصنيع، وتكشف عن ذائقة المجتمع واحتياجاته وبيئته، هنا تأتي أهمية الإشارة والعناية بالحرفيين والحرف اليدوية، ليس بوصفها موروثًا تقليديًا فحسب، بل بوصفها مجالًا ثقافيًا واقتصاديًا قابلًا للتطوير والاستمرار، وهذا يتقاطع مع توجهات رؤية المملكة 2030 في المحافظة على التراث الوطني والتعريف به، وتنمية المساهمة السعودية في الثقافة والفنون، وتمكين المواهب والقدرات المحلية، ولعل من أهم ما ينبغي الالتفات إليه اليوم هو الحرفة التي ما زال بالإمكان ممارستها وإنتاجها بأيدٍ وطنية؛ فالتراث لا يعيش في المتاحف والبيوت وحدها، وإنما يستمر حين تنتقل المعرفة من يد الحرفي إلى جيل جديد، وحين تتحول القطعة التراثية من مجرد شاهد على الماضي إلى منتج معاصر يحمل قيمته الاقتصادية وروحه وهويته.

الخشب مادة صنعت تفاصيل الحياة

تنوعت أنواع الخشب التي عرفتها واحة القطيف، فمنها الأخشاب المحلية، كالسدر والخطرة والأثل واللوز والنيم والكعك، إلى جانب سعف النخيل وجذوعه وما ارتبط به من استخدامات، ومنها الأخشاب المستوردة التي وصلت إلى المنطقة عبر حركة التجارة البحرية مع قارات آسيوية وأفريقية.

ومن بين الأخشاب التي عُرفت واشتهرت في القطيف: خشب التيك، والماهوجني، والسيسم، والجندل، والخيزران، وخشب الساج «الساي». هنا حديثنا عن هذا الخشب الفخم، الذي يتميز باللون الجميل وتنوع عروقه ونقوشه الطبيعية، إضافة إلى متانته وقدرته على مقاومة الرطوبة والحرارة، وهي خصائص جعلته مناسبًا لصناعة الصناديق والسفن والأسقف والأبواب والأثاث والأعمال الخشبية التي تحتاج إلى قدر من التحمل والاستدامة.

وأثناء زياراتي للمتاحف والمواقع التراثية، لفتت انتباهي مجموعة من الأبواب الخشبية القديمة، التي تختلف فيما بينها في مقاساتها وتفاصيلها الزخرفية، وجودة صناعتها، وطريقة تنفيذها.

الباب القطيفي حرفة تتجاوز الوظيفة

قطعة فنية متكاملة تجمع بين الوظيفة والجمال والحرفة.

تميّزت بعض الأبواب الخشبية القديمة في واحة القطيف بثراء ودقة زخارفها الخطية والنباتية والهندسية، واهتم صانعوها بنقش بعض السور والآيات القرآنية الكريمة، ومنها سورة الإخلاص والمعوذتان وآية الكرسي وسورة القدر، وكانت الكتابات توضع أحيانًا على جانبي الباب، في الجزء المعروف بصدر الباب، بمستوى قريب من ارتفاع نظر الإنسان، فتكون الكتابة جزءًا من التكوين البصري للباب وليست مجرد إضافة منفصلة.

الجاربارا

ماذا تعني «تشاربارا»؟

«تشار» «Çar / Çahar» تعني الرقم 4، و«بارا» «Para / Pâre» تعني قطعة أو جزء. وعند تركيب الكلمتين معًا تصبح «تشاربارا»، التي تُنطق في العامية «جاربارا»، ومعناها الحرفي «القطع الأربع» أو «الإطار الرباعي».

وتظهر الزخارف في الإطار المحيط بالباب، الذي يُعرف محليًا بالجاربارا، وقد تتعدد طبقات الزخرفة في بعض الأبواب، بحيث يحيط بكل طبقة إطار زخرفي مختلف.

الخط العربي

ومن الخطوط التي تستحق الاهتمام والدراسة في الأبواب القطيفية الخطوط العربية، كالثلث والنسخ، إلى جانب الزخارف النباتية، وهي أشكال مستوحاة من بيئة واحة القطيف؛ لاشتهار الواحة بتنوع الزراعة وكثرة الثمار، كالعنب والتين والموز وبعض الزهور والنباتات التي عُرفت زراعتها في واحة القطيف.

زخارف هندسية

أما الزخارف الهندسية فتظهر في أنماط متكررة ومتناسقة، ومن أبرز العناصر التي ازدانت بها الأبواب الخشبية ما يُعرف بالخشم، وهو العنصر الخشبي الممتد في منتصف الباب من الأعلى إلى الأسفل، ويؤدي وظيفة إنشائية إلى جانب حضوره الزخرفي، حتى أصبح من العناصر اللافتة في تكوين الباب.

النجار صانع أثاث البيت وذاكرته

ازدهرت في واحة القطيف حرفة النجارة اليدوية، واشتهرت بها عائلات وحرفيون عُرفوا بأسمائهم، وكان الناس يقصدونهم لما عُرف عنهم من جودة الصنعة ودقة التنفيذ، ولم تقتصر أعمال النجار على الأبواب والنوافذ، بل كان يصنع العديد من احتياجات الدوائر الحكومية، وكذلك احتياجات البيت ومنها صناديق العروس «المبيتة» والكبتات «الدواليب» والكرفايات «الأسرة» والكراسي والمنابر والميز «الطاولات» والشلوف «الرفوف»، إلى جانب الأبواب والدرايش وغيرها من القطع الخشبية.

صناعة وطنية بامتياز

ولم تكن أدوات النجار بعيدة عن البيئة المحلية؛ بل كانت أدوات النجارة نفسها تُصنع محليًا من مواد متوفرة في المنطقة، ومن بينها الإزميل بأنواعه، والسكاكين، والفرجار، والمسطرة وغيرها من الأدوات التي يحتاج إليها النجار في القياس والتشكيل والحفر والتنفيذ الدقيق، وهذا يكشف عن منظومة حرفية متكاملة؛ فالنجار لم يكن مجرد مستخدم للأداة، وإنما كان جزءًا من سلسلة تبدأ من المادة الخام، ثم صناعة الأداة، ثم معالجة الخشب وتشكيله، وصولًا إلى المنتج النهائي، وهذا التنوع يكشف لنا أن النجارة لم تكن حرفة محدودة، بل كانت جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية، وأن النجار كان في الحقيقة صانعًا لجزء كبير من أثاث البيت واحتياجاته.

وما زال بعض الحرفيين في القطيف يمارسون صناعة الأبواب والأعمال الخشبية، وهو ما يجعل المحافظة على هذه الحرفة ممكنة، لا باعتبارها ذكرى فقط، بل باعتبارها معرفة قابلة للاستمرار والتطوير.

لون الخشب وحديد الباب

كانت الأبواب والدرايش في الغالب تحتفظ بلون الخشب الطبيعي، بحسب نوع الخشب المستخدم، مع استخدام بعض الزيوت والمواد الطبيعية للمساعدة في المحافظة عليه من التلف والحشرات، وإبراز جمال عروقه ولونه، أما العناصر المعدنية المرتبطة بالباب، مثل الحلقة والسلسلة والجلاب والدگاكة، فكانت من أعمال الحدادين المهرة في واحة القطيف، وهنا تظهر علاقة جميلة بين الحرفيين؛ فالنجار لا يعمل منفردًا، وإنما يتكامل عمله مع الحداد، وكل منهما يضيف جزءًا من هوية الباب ووظيفته، ولا تزال ملامح هذه الحرفة حاضرة في القطيف، ومن الأماكن التي ارتبطت بأعمال الحدادين شارع الملك فيصل بالقرب من سوق الخميس «السبت»، حيث بقيت بعض آثار هذه المهن حاضرة في ذاكرة المكان وممارساته.

أنواع الأبواب وأحجامها

عرف أهل القطيف أنواعًا متعددة من الأبواب، من بينها ما يُعرف بالباب المسماري، والباب المقبب، وباب أبو خوخة «فرخة»، وباب المقطع «المناظر»، وأبواب الدكاكين، ولكل نوع خصائصه وتفاصيله، كما اختلفت الأبواب في أحجامها بحسب وظيفتها ومكان استخدامها، فهناك باب البيت العادي، وهناك باب الدروازة، وهو باب أكبر حجمًا، ارتبط بالبيوت الكبيرة وبيوت التجار والميسورين والطواويش، كما ظهر بأحجام أكبر في القلاع والقصور والحصون.

باب صغير

وفي المقابل، كانت أبواب الغرف والدور والخدمات أصغر حجمًا، وقد لا يتجاوز عرض الباب في بعض النماذج نحو 90 سم، بحيث تكون الدفة الواحدة قرابة 45 سم، وكان الداخل إلى بعض هذه الأبواب يضطر إلى الدخول بشكل مائل، وهي سمة يمكن أن ترتبط بالخصوصية وتنظيم حركة الداخل، فضلًا عن طبيعة البناء التقليدي واعتبارات وظيفية وأمنية متعددة.

الضوء حضور محسوب في الباب والدريشة

لم يكن استخدام الزجاج في الأبواب القديمة شائعًا على كامل مساحة الباب، وإنما يظهر غالبًا في الجزء العلوي، للسماح بدخول الضوء، وخصوصًا في أبواب البيوت المطلة على الخارج، حيث يساعد الضوء على إنارة الدهليز، أما الدرايش، فكان الزجاج يظهر فيها غالبًا في الجزء العلوي، وقد يكون معتمًا أو مطفيًا، بحيث يسمح بدخول الضوء دون أن يتيح الرؤية المباشرة، وهو حل يجمع بين الإنارة والخصوصية، وهذه التفاصيل الصغيرة تكشف مرة أخرى أن العمارة التقليدية لم تكن عشوائية؛ بل كانت تستجيب للحاجة، وتوظف المادة والحرفة بطريقة عملية وجمالية في الوقت نفسه.

من خشب الأمس إلى أثاث الغد

إن الحديث عن أبواب القطيف الخشبية لا ينبغي أن يتوقف عند توثيقها وتصويرها وعرضها في المتاحف، بل يمكن أن يكون مدخلًا لإعادة التفكير في الحرفة الخشبية نفسها. فالخشب الذي دخل بيوت القطيف قديمًا، والنجار الذي صنع الأبواب والصناديق والكبتات والمنابر، يمثلان جزءًا من اقتصاد محلي قائم على المعرفة والمهارة.

توجه المملكة

واليوم، ومع الاهتمام المتزايد بالتراث والحرف والصناعات الثقافية، يمكن إعادة تقديم هذه الخبرات بأساليب معاصرة، من خلال تدريب جيل جديد من الحرفيين، وتوثيق تقنيات النجارة القديمة، والاستفادة من التصاميم والزخارف القطيفية في صناعة الأثاث المحلي والأبواب والنوافذ والقطع الداخلية.

وهنا تكمن قيمة الحرفة:

أن نحافظ على روحها دون أن نحكم عليها بالبقاء في الماضي، فليس المطلوب أن نصنع بابًا قديمًا مطابقًا لباب عمره مئة عام، وإنما أن نفهم كيف صُنع، ولماذا صُنع بهذه الطريقة، وما الذي يميزه، ثم نمنح هذه المعرفة فرصة جديدة لتظهر في منتج معاصر تصنعه أيدٍ وطنية.

وهذا يتناغم مع التوجهات الرسمية في تنمية القطاع الثقافي، وحفظ التراث، وتمكين الحرفيين، وربط الثقافة بالفرص الاقتصادية والتنموية.

أسماء النجارين

ومن الأمور التي أراها تحتاج إلى جهد ودقة وفي الوقت نفسه صعبة، وإن لم تكن مستحيلة، تدوين أسماء الذين اشتهروا بحرفة النجارة في محافظة القطيف بشكل عام، فالقائمة طويلة، والحرفة امتدت في مدن وقرى المحافظة، وتوارثتها عائلات وأجيال، وكان للنجارين إسهام واضح في الصناعة الخشبية، وما ارتبط بها من زخارف ونقوش، ولأن حصر هذه الأسماء يحتاج إلى بحث طويل، وجمع للروايات والشهادات والصور وما بقي من الوثائق، فقد رأيت أن أخصص لها جزءًا مستقلًا في مقال آخر، أتناول فيه ما يتوافر لدي من معلومات وأسماء، مع الاستفادة مما يرويه كبار السن والباحثون والمهتمون بهذا التراث، وسأحاول أن تشمل القائمة، قدر الإمكان، أسماء من مختلف مدن وبلدات وقرى محافظة القطيف، حتى لا تقتصر الحكاية على مدينة دون أخرى، فهذه الحرفة كانت جزءًا من الحياة اليومية، وأسهم أصحابها في تشكيل جانب مهم من ملامح العمارة التقليدية في المنطقة.

وما سيرد من أسماء هو ما تمكنت من الوصول إليه وتوثيقه، ويبقى الباب مفتوحًا لإضافة ما يستجد من معلومات أو أسماء أو صور، فتوثيق الحرف لا يكتمل بجهد فردي، وإنما هو عمل تراكمي تشترك فيه ذاكرة الأهالي والباحثون والمهتمون بالتراث.

همسة

وجود الخشب في حياة الناس شاهد على يد صنعت، وعين ذاقت الجمال، ومجتمع عرف كيف يحوّل الحاجة إلى حرفة، والحرفة إلى فن، والفن إلى ذاكرة.