آخر تحديث: 4 / 10 / 2026م - 11:55 م

الحُطَيئة… من منظور صحي

يعقوب السليس *


يُروى أن الشاعر جرول بن أوس خرجت منه ريح بصوت أمام قوم، فلما التفتوا إليه حاول تصغير الأمر، وقال إنها مجرد «حُطَيئة»؛ أي حطأة أو سقطة صغيرة.

وبحسب الحكاية، التصقت به الكلمة حتى غلبت على اسمه، فأصبح الحطيئة.

وسواء صحت الحكاية أم كانت من طرائف الأدب، فقد ترك لنا الرجل — من حيث يدري أو لا يدري — اسمًا مناسبًا جدًا لموضوع نستحي من تسميته، مع أن الجميع تقريبًا يمارسه.

ولذلك سنستعير منه الكلمة في هذا المقال.

فإذا خرج الغاز في هدوء، سميناه ريحًا.

أما إذا أعلن عن نفسه بصوت، فسنمنحه اسمًا يليق بالحكاية:

الحُطَيئة.

وبهذا تصبح المسألة واضحة: قد تمر الريح فلا يشعر بها إلا صاحبها، وقد تقع الحُطَيئة فيبدأ التحقيق. لكن الموقف الأصعب حين تمر الريح في صمت، ثم تترك دليلًا ينتشر في المكان والمتهم مجهول!

لكن بعيدًا عن المزاح، نحن نتحدث عن ظاهرة طبيعية من وظائف الجهاز الهضمي، وقد تخبرنا أحيانًا بشيء عما أكلناه وكيف تعمل أمعاؤنا.

فماذا يحدث داخل بطوننا قبل أن تخرج الريح… أو تقع الحُطَيئة؟

شيء يفعله الجميع ولا يتحدث عنه أحد

يستخدم الطب مصطلح Flatus للغاز الخارج من الجهاز الهضمي، سواء أعلن عن نفسه بصوت أم غادر المكان بهدوء، بينما يستخدم Flatulence لوصف خروج غازات الأمعاء.

وأثناء يومنا نبتلع شيئًا من الهواء ونحن نأكل ونشرب، وتنتج بكتيريا الأمعاء غازات أخرى عندما تتعامل مع بقايا بعض الأطعمة، وخصوصًا الكربوهيدرات التي لم تُمتص بالكامل في الأمعاء الدقيقة.

وهذه الغازات لا بد أن تجد لها مخرجًا.

والمفارقة أن معظم الغازات الموجودة في الأمعاء ليست ذات رائحة كريهة أصلًا. فالنيتروجين والأكسجين والهيدروجين وثاني أكسيد الكربون والميثان عديمة الرائحة تقريبًا. أما الرائحة التي تجعل الجالسين حولك يتبادلون النظرات والاتهامات، فتأتي من كميات ضئيلة جدًا من مركبات أخرى، وخصوصًا المركبات المحتوية على الكبريت.

وهنا ينبغي ألا نخلط بين الصوت والرائحة؛ فقد تقع الحُطَيئة بلا رائحة تُذكر، وقد تمر الريح بهدوء وتترك وراءها ما يكفي لإرباك المجلس كله!

فالهدوء، في هذه الحالة، لا يعني دائمًا السلامة.

لماذا نطلق الريح أصلًا؟

للغازات في الجهاز الهضمي مصدران رئيسيان.

الأول هو الهواء الذي نبتلعه. يحدث ذلك بصورة طبيعية أثناء الأكل والشرب، لكنه يزداد عند الأكل بسرعة، ومضغ العلكة، وشرب المشروبات الغازية والتدخين.

أما المصدر الثاني فهو ما تصنعه بكتيريا الأمعاء.

فنحن لا نهضم ونمتص كل ما نأكله بنسبة مئة في المئة. تصل بعض الكربوهيدرات إلى القولون، فتجد هناك مليارات الكائنات الدقيقة في انتظارها.

وتبدأ حفلة البكتيريا.

تُخمّر هذه المواد وتنتج أثناء ذلك غازات مختلفة. ولهذا اشتهرت بعض الأطعمة بعلاقتها بالغازات: الفاصوليا والعدس والحمص، وبعض الخضراوات مثل الملفوف والبروكلي والبصل.

لكن هذا لا يجعلها أطعمة سيئة.

بل تكمن المفارقة في أن بعض الأطعمة التي تزيد الغازات هي نفسها أطعمة غنية بالألياف ومفيدة للصحة. فلا داعي لإعلان الحرب على الفاصوليا لمجرد ما فعلته بك بعد الغداء.

هذه هي الآلية العامة.

لكن لماذا يأكل شخصان الطبق نفسه، فيغادر أحدهما المطعم بسلام، بينما تبدأ المعاناة عند الآخر؟

لكل بطن حكايته

هنا تبدأ الفروق الفردية.

أجسامنا ليست نسخًا متطابقة، وكذلك أمعاؤنا. نختلف في قدرتنا على هضم وامتصاص بعض مكونات الطعام، وفي تركيبة ميكروبيوم الأمعاء، وفي سرعة حركة الجهاز الهضمي، وحتى في مقدار حساسيتنا للغاز والانتفاخ.

خذ الحليب مثلًا.

يستطيع معظم الأطفال هضم سكر اللاكتوز بفضل إنزيم اللاكتاز، لكن نشاط هذا الإنزيم ينخفض لدى كثير من الناس بعد الطفولة. فإذا لم يُهضم اللاكتوز جيدًا، وصل جزء منه إلى القولون، حيث تتولى البكتيريا المهمة. والنتيجة عند بعض الناس: غازات وانتفاخ ومغص وربما إسهال.

وتحدث آلية مشابهة مع مجموعة من الكربوهيدرات قصيرة السلسلة والقابلة للتخمر، المعروفة اختصارًا باسم FODMAPs. بعض الناس يتحملونها جيدًا، بينما تسبب لدى آخرين — وخصوصًا بعض المصابين بمتلازمة القولون العصبي — انتفاخًا وغازات وأعراضًا مزعجة. وتوجد هذه المركبات بدرجات متفاوتة في أطعمة مثل البقوليات والبصل والثوم وبعض منتجات القمح، وبعض الفواكه كالتفاح والكمثرى.

وهذا يفسر لماذا قد يأكل شخص العدس ويواصل يومه كأن شيئًا لم يحدث، بينما يحتاج آخر بعد الطبق نفسه إلى إعادة النظر في جدول مواعيده!

لذلك لا توجد قائمة واحدة تصلح للجميع بعنوان: «الأطعمة التي تسبب الغازات».

لكل بطن حكايته.

كم مرة نخرج ريحًا في اليوم؟

هنا السؤال الذي لا أظن أن كثيرين يسألونه بصوت مرتفع!

تشير الدراسات التي تابعت أشخاصًا أصحاء إلى أن إخراج الريح يحدث عادة عدة مرات في اليوم، وقد يصل عند بعض الأصحاء إلى نحو 20 مرة يوميًا. والتفاوت واسع بين شخص وآخر، بل وبين يوم وآخر عند الشخص نفسه، ويتأثر بالطعام ونمط الحياة.

ولذلك لا أنصح أحدًا بأن يحمل دفترًا صغيرًا ويضع علامة مع كل ريح أو حُطَيئة!

فالرقم في حد ذاته ليس هو القضية.

السؤال الأهم ليس: كم مرة؟

بل: هل تغير شيء عن المعتاد؟

إذا كنت طوال حياتك تأكل الفول وتنام بعدها قرير العين، ثم أصبحت فجأة تعاني انتفاخًا شديدًا وغازات مستمرة وألمًا، فالتغير نفسه أهم من الوصول إلى رقم معين.

وكثرة الغازات وحدها لا تعني وجود مرض خطير. لكن إذا صاحبها نزف في البراز، أو فقدان وزن غير مقصود، أو ألم مستمر، أو قيء، أو تغير واضح ومستمر في عادات الإخراج؛ فهنا تصبح استشارة الطبيب أهم من عدّ مرات خروج الريح.

ماذا نفعل إذا أصبحت المسألة مزعجة؟

قبل أن تبحث عن الدواء، ابحث عن السبب.

راقب طعامك وعاداتك: هل تظهر المشكلة بعد الحليب أو البقوليات أو البصل والثوم؟ هل تزداد مع المشروبات الغازية؟ هل تأكل بسرعة؟ وهل تغير نظامك الغذائي مؤخرًا؟

ثم ابحث عن النمط. دوّن لبضعة أيام ما أكلته ومتى ظهرت الأعراض. ليس المطلوب تسجيل كل لقمة إلى الأبد، وإنما اكتشاف علاقة متكررة بين طعام أو عادة وبين ظهور المشكلة.

وإذا ظهر المشتبه به، اختبره بدل أن تتهمه. قلل الكمية أو أوقفه فترة قصيرة، ثم لاحظ الفرق. فالغازات بعد طبق ضخم من العدس لا تعني بالضرورة أن عليك طلاق العدس إلى الأبد.

وابدأ بالأمور البسيطة: الأكل ببطء، والمضغ الجيد، وتقليل المشروبات الغازية ومضغ العلكة، وممارسة النشاط البدني. وإذا كان طعام معين هو المشكلة، فقد يكون تعديل الكمية أو طريقة تناوله كافيًا بدل حذفه نهائيًا.

أما الحميات المقيدة، مثل حمية Low-FODMAP, فلا ينبغي تحويلها إلى موضة غذائية أو اتباعها بصورة دائمة من تلقاء النفس؛ فهي أداة تستخدم في حالات معينة، وهدفها معرفة الأطعمة التي تثير الأعراض ثم إعادة توسيع النظام الغذائي قدر الإمكان.

وبالنسبة إلى البروبيوتك والإنزيمات والمكملات والأعشاب، فبعضها قد يفيد في ظروف محددة، لكن لا يوجد مكمل سحري يصلح لكل شخص ولكل حالة من الغازات.

والقاعدة الأبسط:

إذا كانت الغازات عابرة، ابحث عما أكلت.
وإذا أصبحت جديدة، مستمرة، شديدة، أو صاحبتها علامات غير معتادة، فابحث عن الطبيب.

ولكن… هل حبس الريح مضر؟

هنا نصل إلى السؤال الذي ربما يهم القارئ أكثر من كل ما سبق.

ماذا تفعل إذا جاءتك في اجتماع؟

في المصعد؟

أو - وهذه أصعب الحالات - في مجلس يسوده الصمت؟

الجسم قادر عادة على التعامل مع تأخير خروج الغازات لفترة، فلا داعي للذعر. لكن حبسها قد يزيد الشعور بالضغط والانتفاخ وعدم الراحة.

والحل بسيط:

ابحث عن مكان مناسب وأطلق سراحها.

فليس كل ما يجب أن يخرج من الإنسان يستحق أن يتمسك به!

على الهامش…

يُحكى أن لصًا دخل بيت تاجر، فاستيقظ التاجر وحاول الإمساك به. هرب اللص، لكنه قبل فراره ارتكب حُطَيئة بصوت مميز بقي عالقًا في ذاكرة التاجر.

ومرت الأيام، وجاء رجلان توأمان للعمل عند التاجر. انحنى أحدهما لحمل البضاعة، فإذا بالصوت القديم يعود!

اتهمه التاجر بالسرقة، لكنه ألقى التهمة على أخيه التوأم، فوصلت القضية إلى القاضي.

وهنا ظهرت معضلة ربما لم ترد في كتب القضاء:

كيف تميز بين توأمين… عن طريق الحُطَيئة؟

أمر القاضي بإطعامهما وانتظر حتى أدلى كل واحد منهما ب«بصمته الصوتية».

وعندها حسم التاجر الأمر: كان كلا الأخوين يفعلها…

لكن شهاب الدين أضربُ من أخيه!