آخر تحديث: 3 / 10 / 2026م - 11:35 م

حين تُحيط النعمةُ بالبلاء


تفتح هذه الكلمة أمام الإنسان بابًا للتأمل في ألطاف الله حين تشتد المحن وتضيق السبل.

مما نُقل عن الإمام الحسن العسكري :

«ما مِن بَلِيَّةٍ إلّا وللهِ فيها نِعمةٌ تُحيطُ بها». [1] 

ففي لحظات الألم، تستحوذ المصيبة على مشاعرنا، وننشغل بما فقدناه، حتى يغيب عنا ما بقي في حياتنا من خير، وما يحيط بنا من رعاية ورحمة. وتأتي هذه الحكمة لتوسّع نظرتنا، وتذكّرنا بأن ما نشعر به من وجع لا يستنفد حقيقة حياتنا، وأن عناية الله قد تصل إلينا بوجوه لا ننتبه إليها في شدة الحزن.

الإيمان يتسع للحزن والدموع:

التأمل في النعمة المحيطة بالبلاء لا يعني أن تصبح المصيبة سهلة، أو أن يُطالب المبتلى بكتمان حزنه. ففقد الأحبة مؤلم، والمرض متعب، والانتظار الطويل يرهق النفس. ومن الرحمة بالإنسان أن نعترف بوجعه، وأن نتيح له التعبير عنه دون لوم أو اتهام بضعف الإيمان.

وقد حكى القرآن عن نبي الله يعقوب قوله: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [2] .

فالقلب المؤمن يحزن، لكنه يحمل حزنه إلى ربه، ويسأله العون والفرج. ويمكن للدمعة أن تجتمع مع الرضا، وللتعب أن يصاحبه الرجاء، وللإنسان أن يقول: يا رب، لقد أثقلني البلاء، فأعنّي على احتماله.

صور النعمة في أيام الشدة:

قد تكون النعمة المحيطة بالبلاء واضحة في أشخاص يساندوننا، أو أسباب تخفف عنا. فالمريض يجد طبيبًا مخلصًا، وعلاجًا متاحًا، وأهلًا يتناوبون على رعايته. والمهموم يجد من يصغي إليه دون استعجال، ومن يحفظ سره، ومن يعينه على اتخاذ خطوة كان عاجزًا عنها.

وقد تبدو النعمة صغيرة في ظاهرها: ليلة يهدأ فيها الألم، أو كلمة تعيد الطمأنينة، أو اتصال يأتي في وقت الوحدة، أو قدرة على إنجاز حاجة بسيطة بعد أيام من العجز. وهذه التفاصيل تستحق أن نراها ونشكر الله عليها، لأنها تمنحنا ما نحتاج إليه لمواصلة الطريق.

والالتفات إليها لا يمحو المصيبة، لكنه يمنعها من حجب كل ما عداها، ويعيد إلى النفس شيئًا من التوازن.

حين توقظ المحنة القلب:

قد تدفع بعض المحن الإنسان إلى مراجعة أولوياته، فيكتشف أنه أنفق كثيرًا من عمره في خصومات صغيرة، أو انشغل عن أهله بما لا يستحق، أو أجّل أعمال خير كان قادرًا عليها. وعندها تصبح التجربة فرصة لإصلاح ما يمكن إصلاحه، وتقريب ما باعدته الغفلة.

وقد يخرج الإنسان من ألمه أكثر رفقًا بالآخرين؛ فمن ذاق الوحدة يصبح أحرص على السؤال عن المنقطعين، ومن عرف قلق المرض يتعلم كيف يواسي المرضى، ومن احتاج إلى المساعدة يدرك قيمة العطاء الذي يحفظ الكرامة.

ومع ذلك، لا يجوز أن نفرض على كل مبتلى أن يستخرج درسًا سريعًا من محنته. فبعض الجراح تحتاج وقتًا طويلًا حتى تهدأ، ويكفي صاحبها في مراحلها الأولى أن يجد الأمان والمساندة.

حين تخفى الحكمة يبقى الرجاء:

ليست كل حكمة مكشوفة لنا، ولا نستطيع تفسير كل ما يقع في الحياة. وقد يظل الإنسان يسأل عن وجه الخير في محنته دون أن يجد جوابًا يطمئن إليه. وهنا يحتاج إلى إيمان يسنده في مساحة المجهول، وإلى من يحترم أسئلته دون أن يقدّم له تفسيرات جازمة.

فلا نجزم بأن مرض شخص عقوبة، أو أن خسارته حدثت لسبب معين، ولا نعده بعوض دنيوي محدد لا نملكه ولا نعلمه. إنما نذكّره بسعة رحمة الله، وبأن علمنا محدود، وأن ما خفي علينا لا يعني غياب اللطف.

ويفتح الإيمان بالآخرة أفقًا أوسع للرجاء؛ فحياة الإنسان لا تنتهي عند حدود هذه الدنيا، والمؤمن يرجو عند الله أجر صبره، ويثق بأن تعبه لا يضيع عنده.

مع العسر يسر:

يقول الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [3] .

وفي هذا الوعد ما يبعث الطمأنينة، ويدعونا إلى الانتباه لأبواب التيسير حتى ونحن ننتظر زوال الشدة. فقد يأتي اليسر في مساعدة تخفف العبء، أو قرار يوضح الطريق، أو سكينة تعين القلب على مواجهة يوم جديد.

وقد يتأخر ما نتمناه، فنحتاج إلى تجديد الدعاء والصبر، وإلى تقسيم الطريق الطويل إلى خطوات ممكنة. وليس مطلوبًا من الإنسان أن يحمل همّ المستقبل كله دفعة واحدة؛ يكفيه أن يؤدي ما يستطيع اليوم، مستعينًا بالله، ومستفيدًا مما أتاحه له من أسباب.

الصبر يصاحبه العمل:

الرضا بالله يدفع المؤمن إلى الأخذ بالأسباب بثقة وأمل. فالمريض يطلب العلاج، والمظلوم يسعى لاسترداد حقه، والمدين ينظم شؤونه ويطلب المشورة، ومن أثقله الحزن يلتمس المساندة المناسبة.

وطلب العون لا ينتقص من الصبر، كما أن السعي لتغيير الواقع المؤلم لا ينافي التوكل. وقد تكون النعمة المحيطة بالبلاء هي الفرصة المتاحة للتحرك، أو الشخص القادر على المساعدة، أو المعرفة التي تفتح حلًا لم يكن ظاهرًا.

ومن شكر هذه النعم أن نستعملها، وأن نسمح لمن يحبوننا بأن يساندونا.

لنكن رحمةً تحيط بالمبتلى:

تحملنا هذه الكلمة مسؤولية تجاه من حولنا. فالمبتلى يحتاج إلى حضور صادق، وإلى مساعدة تناسب حاجته: وجبة لأسرة منشغلة بمريضها، أو قضاء حاجة، أو تخفيف عبء مالي، أو إنصات رحيم.

ولنحذر من استعجال حزنه بعبارات تطالبه بأن ينسى أو يتجاوز. فللمواساة أثرها حين يشعر الإنسان أن ألمه مفهوم، وأنه لن يُترك وحيدًا.

اللهم الطف بكل مبتلى، وآنس وحشته، وخفف وجعه، وافتح له أبواب العافية والطمأنينة، وارزقه من اليقين ما يسند قلبه، ومن الرحمة ما يهوّن عليه، واجعلنا أسبابًا للخير، وأيديَ تمتد بالعون، وقلوبًا تتسع لأوجاع عبادك.

[1]  موسوعة الكلمة، ج 20، السيد حسن الحسيني الشيرازي، ص 251، أئمتنا عباد الرحمان، ج 2، سعيد أبو معاش، ص 519، موسوعة الإمام العسكري ، ج 3، الشيخ أبو القاسم الخزعلي، ص 282، قبسات من حياة الائمة الهداة ، جعفر الهادي، ص 44، الوافي، ج 26، الفيض الكاشاني، ص 285

[2]  يوسف: 86

[3]  الشرح: 5-6
استشاري طب أطفال وحساسية