آخر تحديث: 3 / 10 / 2026م - 11:35 م

عندما يقول الطالب: درجات الثانوية لم تعد مهمة!

عباس قاسم الملاحي *


”لماذا أُتعب نفسي في رفع معدلي ما دامت الجامعة التي أريدها لا تحتسب درجات الثانوية؟“.

قد تبدو هذه العبارة منطقية لطالب في المرحلة الثانوية قرأ شروط القبول في الجامعة التي يحلم بها، لكنها في الحقيقة تكشف عن مشكلة أعمق من مجرد فهم معيار قبول جامعي؛ إنها تعني أن الطالب بدأ يبني سنواته المقبلة على افتراض واحد: أن خطته ستسير تمامًا كما رسمها اليوم.

ومؤخرًا، أثار إعلان جامعة الملك فهد للبترول والمعادن عن معايير أحد مسارات القبول نقاشًا بين بعض طلاب المرحلة الثانوية، خصوصًا مع اعتماد المفاضلة في هذا المسار على اختباري القدرات والتحصيلي دون إدخال معدل الثانوية في النسبة الموزونة. ومن الطبيعي أن يلتفت الطلاب إلى مثل هذه التغييرات، وأن يعيدوا ترتيب أولوياتهم استعدادًا للقبول الجامعي.

المشكلة لا تكمن في فهم شروط القبول، بل في الاستنتاج الخاطئ الذي قد يبنى عليها: إذا لم تدخل درجات الثانوية في هذه المعادلة، فلماذا أهتم بها؟

وهنا تبدأ المجازفة.

فالطالب الذي يخطط لمستقبله على أساس جامعة واحدة يتعامل مع الطموح وكأنه ضمان. قد يحقق الدرجة التي يريدها، وقد لا يحققها. وقد يتغير تخصصه المرغوب، أو تتغير ظروفه، أو يجد بعد عام أن الجامعة أو التخصص الأنسب له ليس ما كان يتصوره في الصف الثاني الثانوي. وعندها سيكتشف أن القرارات التي اتخذها مبكرًا أغلقت أمامه خيارات كان يستطيع الاحتفاظ بها.

وهذا تحديدًا ما ينبغي أن يناقشه التوجيه الطلابي مع أبنائنا في المرحلة الثانوية. فالتوجيه المهني لا يعني مساعدة الطالب على الوصول إلى خياره الأول فقط، بل مساعدته على بناء مسارات بديلة تحمي مستقبله إذا لم يتحقق ذلك الخيار.

ثم إن هناك مفارقة أخرى: كيف يستعد الطالب لاختبارات تقيس معارف ومهارات تراكمية بينما يهمل البيئة التي يتعلم فيها هذه المعارف أصلًا؟

فالرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء التي يدرسها الطالب في المدرسة ليست مجرد درجات تضاف إلى الشهادة، بل جزء من بنائه العلمي. ومن غير المنطقي أن يضعف ارتباطه بالدروس والاختبارات طوال العام، ثم يتوقع أن يعوض ذلك كله عندما يبدأ الاستعداد لاختبار تنافسي. المدرسة والقدرات والتحصيل ليست مسارات متصارعة، بل أجزاء متكاملة من استعداد الطالب للمرحلة الجامعية.

ومن هنا يأتي دور الأسرة أيضًا. ليس المطلوب أن يتحول المنزل إلى غرفة مراقبة للدرجات، ولا أن يعيش الطالب تحت ضغط المعدل، بل أن يناقشه والداه في منطقه قبل مناقشة درجاته: ماذا لو لم يتحقق القبول في الجامعة الأولى؟ ما الجامعات الأخرى التي ستتقدم إليها؟ وما شروطها؟ وما التخصص البديل؟ وهل القرارات التي تتخذها اليوم توسع خياراتك أم تضيقها؟

هذه الأسئلة تعلم الطالب مهارة أكبر من الحصول على درجة مرتفعة: إدارة مستقبله بوعي.

وفي المدرسة، يمكن للموجه الطلابي أن ينقل التوجيه المهني من موسم قصير يسبق التخرج إلى عملية تبدأ مبكرًا. عندما يختار الطالب جامعة أو تخصصًا، من المفيد أن يبني معه أكثر من سيناريو: خيار أول يطمح إليه، وخيارات أخرى جيدة يمكن الانتقال إليها، ومتطلبات واضحة لكل منها. عندها يفهم الطالب أن التخطيط الجامعي ليس رهانًا على باب واحد.

وهذا لا يعني التقليل من طموح الطالب الذي يستهدف جامعة الملك فهد للبترول والمعادن أو غيرها من الجامعات المرموقة؛ على العكس، من حقه أن يرفع سقف طموحه وأن يعمل للوصول إليه. لكن هناك فرقًا بين أن يكون لديك هدف واضح، وأن تجعل مستقبلك كله معلقًا بتحقق هذا الهدف وحده.

ربما نحتاج لذلك إلى تغيير الرسالة التي نقولها لأبنائنا. بدل أن نقول للطالب: «ذاكر لأن درجات الثانوية مهمة»، نقول له: اجتهد لأنك لا تعرف اليوم أي باب ستحتاج إلى طرقه غدًا.

فالطالب الواعي لا يسأل فقط: ما أقل ما أحتاج إليه لكي أدخل الجامعة التي أريدها؟

بل يسأل سؤالًا أكثر نضجًا:

ماذا أفعل اليوم حتى أبقي أكبر عدد ممكن من الأبواب مفتوحًا أمامي غدًا؟

وهنا تكمن قيمة المعدل، وقيمة الاختبارات، وقبل ذلك كله قيمة التعلم نفسه.

تربوي وتقني متخصص في التحول الرقمي، يجمع بين الخبرة التعليمية وتطوير الحلول الذكية وتحليل البيانات، ويوظف التقنية والتصميم الإبداعي لرفع كفاءة الأداء وخدمة المؤسسات التعليمية.