آخر تحديث: 3 / 10 / 2026م - 11:35 م

الوطنُ النِّصف الآخرُ للجسَد

محمد الحميدي *


الانتماءُ والولاء لأرض جغرافيَّة يعني وجودَ أصلٍ يعتمد عليه الإنسانُ في تشكيل هُويَّته، حيث الأرضُ ليست بُقعة جامِدة، بل هي تاريخٌ وحضارة وامتدادٌ لغوي وثقافيٌّ واجتماعي، فمنذُ أن سكنَ الإنسان الأرضَ وهو يمارسُ بناء هُويَّته.

الانتماءٌ للأرض ليس مجرَّد كلمات تُنطق، بل أفعالٌ وممارسات، فالأشخاصُ لا يعبِّرون عن حبِّهم لأرضهم إلا نتيجةَ تراثٍ سابقٍ لوجُودهم، يصنعُ منهم أشخاصَ اليومِ وأفعالَ الحاضرِ والمستقبل، وتظلُّ الكلمات مرآة صادِقة على مشاعرِهم التي تُشكِّل هُويَّتهم السُّلوكية والمعرفيَّة.

السُّلوك والمعرفة سابقانِ على الهُويَّة وملازمانِ لها، فلا يمكن تخيُّلها بمعزلٍ عن تراثٍ سابق، كما لا يمكن النَّظرُ إليها بعيداً عن السُّلوكيات المصاحبةِ لها، وهُنا ستكون الهُويَّة متجاوزةً للكلمات والادعاءَت؛ لتصبحَ فعلا مستمراً من الولاءِ والانتماء.

تتجلَّى الانتماءاتُ والولاءات أكثرَ ما تتجلَّى في المواقفِ الصعبة والضَّيقة، فالناسَ يتَّجهون للتَّعبير عن مشاعرِهم في لحظات الشِّدة والمصيبة؛ من أجلِ إيصال رسالةٍ إلى الآخر بأنَّنا نُساندكم ونقفُ إلى جواركم، والآخرُ هنا هو شريكُ الجغرافيا والتُراث واللغة والهُويَّة.

الأوطانُ لا تُبنى من العدمِ ولا تظهر دفعةً واحدة بلا مُقدِّمات، فهي تحتاجُ لجماعة منسجِمة متوافِقة تمارسُ صلاحيات تنظيميَّة وتشريعيَّة تُسهِّل حركة الناس ومعاشِهم، وبناءً على التَّسهيلات الممنوحة تُقرِّر الجماعات الانضمامَ إليها والالتزامَ بتعليماتها، وهُنا يَتشكَّل الوطن.

الحياةُ بداخل البيئةِ الجغرافيَّة لا يشير إلى الانسجامِ التام والتوافُق مع الآخرِ المجاور والساكنِ قريباً، بل يعني الاعترافَ بحقِّه في العيش ونيلِ الحقوق والحصولِ على المزايا التي يحصلُ عليها، وهيَ أكبر فائدةٍ ينالها الأشخاصُ بانتمائهم لهُويَّة وطنيَّة واحدة.

التعدُّد والاختلاف والتمايزُ بين الأشخاصِ المنتمينَ لهُويَّة وطنيَّة واحدة لا يعني التقاتُل والتعارُك من أجل نيلِ الغنائم، بل يعني وِحدةَ العيش والمصِير، فما يحدثُ في بُقعة من الجغرافيا تتأثَّر به بقية البُقَع المنتميةِ لحدود الوطن، وهذهِ الوحدة تعدُّ العلامة الأوثقَ على الهُويَّة الوطنيَّة الجامعة.

في زمنِ الذكاء الاصطِناعي والتعارُف البشري وانمحاءِ الحدود الافتراضيَّة والتلاقي بينَ البشر فيما بات يُعرف بالقرية الكَونية؛ غدا الحفاظُ على الهُويَّة الوطنيَّة الجامعة أمراً ضروريًّا، فالآخر لم يعُد ذلك البعيدُ الغريب في اللغة والوجهِ والسُّلوك، بل هو الجارُ القريب الذي لا تجمعُك به رابطةٌ من أيِّ نوع.

ثمَّة حاجة ملحَّة لإعادة تعريف الهُويَّة الوطنيَّة في زمن المتغيِّرات السريعة الكَثيرة، فانفتاحُ العالم وتقارُب الأشخاص شكَّل هُويَّات عابرةٍ للجغرافيا، ولم يعُد مجرَّد الانتماء للأرضِ من ناحية الولادةِ والسكن كافياً لإثبات الولاءِ.

المشاعرُ الإنسانية لا يمكنُ تزييفها، فهي أصدقُ ما يصدرُ عن الإنسان، وحينُ تتعلَّق بهُويَّته وانتمائه سيكونُ تزييفها أصعَب؛ لأنَّها تظهر في الكلماتِ وتعابير الوجهِ والسُّلوك، وهذهِ الأمور ليست قابِلَة للتزييف الطَّويل والمستمر، فمَن يتصنَّع سينكشفُ ولو بعدَ حين.

المشاركةُ في الاحتفالاتِ والمناسبات دليلٌ على الانتماءِ للأرض والجغرافيا، وعلامةٌ على وجود هُويَّة وطنيَّة جامعة، تقومُ على ركيزتين هما العيشُ والمصيرُ المشترك، وهذانِ الأمران يحدِّدان موقع الإنسانِ ومقدار انتمائهِ وولائه.

العيشُ المشترك يعني القبولَ بالآخر وإنْ اختلفتَ معه وعنه، وابتعدتَ عن أفكارهِ ولم تتوافق معها تماماً، أمَّا المصيرُ الواحد فهو الدِّفاع عن اختلافِكُما والقبولُ به كحقيقةٍ واقعية، فحينَ يصل الإنسانُ إلى هذا المستوى من السُّلوك؛ سيغدو مواطناً صالحاً في بلدٍ جامع مانع يسيرُ بثبات نحوَ المستقبل.

المباني والطُّرقات والحدائِق والمصانعُ والمدارس ليست هي الهُويَّة الجامعةُ المانعة، بل هي مظاهرُ للرُّقِي والصُّعود الحضاري والثقافي، الهُويَّة لا تُمنح ولا تُستجلب، إنَّها قيمةٌ مطلقة تنمو مع الإنسانِ وتستمرُّ في حياته، حتى تغدو جزءاً لا ينفصل عن وجُوده، فيقيسُ أفعاله وأقواله بناءً على توافقها مع هُويَّته وانتمائِه.