آخر تحديث: 2 / 10 / 2026م - 11:45 م

حين يضيق المضيق يجب أن تتّسع البصيرة

الدكتور ماهر آل سيف *


ما يحدث في العالم ليس خبرًا بعيدًا عن بيتك، ولا حربًا خلف البحار لا تمسُّ قوتك؛ فالرصاصة التي تُطلق هناك، قد ترتفع بسببها فاتورةٌ هنا، والسفينة التي تتأخر في الميناء، قد تتأخر معها سلعةٌ على الرف، والوقود الذي يغلو في البحر، سيدخل ثمنه في النقل والمصنع والمزرعة والمتجر.

اليوم يعيش العالم اقتصادًا على أعصابه؛ اضطرابٌ في الممرات، وارتفاعٌ في الطاقة، وغلاءٌ في الشحن، وتشددٌ في التمويل، وضغطٌ على الشركات والأسواق. وقد عادت حركة النفط الخام عبر مضيق هرمز بدرجة كبيرة، لكن مخاطر الملاحة ما زالت قائمة، بينما بقيت حركة بعض المنتجات النفطية المكررة أقل كثيرًا من مستوياتها السابقة.

والاقتصاد سلسلة؛ إن اهتزت حلقةٌ اهتز معها الباقي: يرتفع الوقود فيرتفع النقل، ويرتفع النقل فترتفع السلعة، وتقل الإمدادات فيقل المعروض، وإذا قل المعروض وبقي الطلب، ارتفع السعر واشتد الضغط.

وليست الشركات بمنأى عن العاصفة؛ فتوقعات Allianz Trade تشير إلى ارتفاع حالات تعثر الشركات عالميًا بنحو 6% خلال 2026، للعام الخامس على التوالي، مع ضغطٍ واضح من تكلفة الطاقة والشحن واضطراب سلاسل الإمداد وضعف النمو.

وهنا يأتي اقتصاد الأسرة.

ليس من الحكمة أن نعيش زمن الأزمة بعقلية الرخاء، ولا زمن الغلاء بعادات الرخاء. فمن يلبس معطف الشتاء في قيظ الصيف، وثوب الصيف في برد الشتاء، لا نصفه بالثبات بل بسوء التقدير؛ وكذلك من يجعل إنفاقه واحدًا مهما تبدلت الظروف والأسعار.

في الرخاء نشتري ما نريد، وفي الأزمات نشتري ما نحتاج؛ في الرخاء تتسع دائرة الكماليات، وفي الشدة تتقدم الأولويات؛ في الرخاء قد نغامر ببعض المال، وفي الضيق نحمي السيولة ونقلل الالتزام والدَّين.

لا يعني ذلك أن نخاف، ولا أن نملأ المخازن بلا حساب، ولا أن نهاجم الأسواق وكأن الغد مجاعة؛ فالهلع يرفع الطلب كما يرفعه النقص، والتخزين المبالغ فيه قد يصنع أزمةً فوق الأزمة.

المطلوب أسرةٌ تقرأ قبل أن تشتري، وتحسب قبل أن تصرف، وتفرّق بين «أريده» و«أحتاجه». نقلل الهدر، ونؤجل الكماليات، ونراجع الاشتراكات، ونخفف المطاعم والطلبات، ونحافظ على صندوق الطوارئ، ولا نحمل راتب الغد أقساط رفاهية اليوم.

فالأزمات الاقتصادية لا تهزم دائمًا من قلَّ دخله، لكنها كثيرًا ما تهزم من لم يتغير سلوكه.

والعاقل لا يستطيع إيقاف الحرب، ولا فتح المضيق، ولا خفض النفط، ولا تحريك السفن؛ لكنه يستطيع أن يحكم بيته، ويحمي ماله، ويرتب أولوياته.

فإذا اضطرب العالم من حولك، لا تضطرب معه…

بل قلّل الكمال، وأحسن التدبير، وكبّر الاحتياط؛

فالمال في زمن الرخاء راحة، أما في زمن الأزمات… فأمان.