آخر تحديث: 2 / 10 / 2026م - 11:45 م

المنبر وصناعة الأثر

أحمد منصور الخرمدي *


ليست قيمة المنبر في ارتفاعه، ولا في كثرة من يستمعون إليه، وإنما في الكلمة التي تنطلق منه، والفكرة التي تصل إلى العقول، والأثر الذي يبقى في الإنسان بعد انتهاء الحديث.

فالمنبر، بمفهومه الشامل، هو مساحة للتوعية والتوجيه وصناعة الوعي، سواء أكان منبر خطبة الجمعة، أم منابر الإعلام الحديثة المقروءة والمسموعة والمرئية؛ فجميعها تتحمل مسؤولية الكلمة التي تقدمها للناس، وما يمكن أن تتركه في أفكارهم ومواقفهم وسلوكهم.

والمنبر، متى امتلك الرسالة الهادفة والوسيلة المناسبة، وأدرك طبيعة جمهوره واحتياجاته، أصبح أقرب إلى الناس وأكثر قدرة على ملامسة واقعهم وقضاياهم. ومن هنا تتعاظم مسؤوليته في أن يلامس جراح الواقع، ويتفاعل مع قضايا المجتمع، ويحاكي لغة العصر ومستجداته، من دون أن يفقد رسالته وقيمه ومبادئه.

وينبغي للخطيب أو الإعلامي أن يضع أمام عينيه، قبل أن يتحدث أو يكتب، مجموعة من الأسئلة المهمة: لمن أتحدث؟ وماذا يحتاج مني هذا الجمهور؟ وهل الخطاب الذي أقدمه يناسب عقول الحاضرين وظروفهم؟ وهل اختيار الموضوع يلامس حياتهم واحتياجاتهم بصورة مباشرة وعميقة؟ ثم، وهو السؤال الأهم: ماذا سيبقى من كلمتي بعد انتهاء الحديث؟

فهناك فرق بين منبر يُسمع، ومنبر يصنع أثرًا؛ وبين كلمة تنتهي بانتهاء المجلس، وكلمة تبدأ رحلتها الحقيقية بعد مغادرة المستمعين. فربما تدفع فكرة هادفة إنسانًا إلى مراجعة موقف، أو تصحيح سلوك، أو الاقتراب من عمل خير، وهنا تنتقل الكلمة من دائرة القول إلى دائرة التأثير والعمل.

إن قيمة المنبر لا تقاس بكثرة ما يقال، وإنما بما يتركه من أثر في النفوس والعقول. فالكلمة الهادفة هي التي تفتح باب الأمل، وتضيء طريق الحائر، وتساعد على معالجة المشكلات، وتدعو إلى الخير والإصلاح، وتمنح الإنسان فرصة لمراجعة نفسه وتصحيح مساره.

وحين تتحول المادة الفكرية المطروحة إلى وعي حي وسلوك عملي، يصبح المنبر أكثر من مجرد مساحة للكلام؛ يصبح مسؤولية في بناء الإنسان، وحماية الوعي، وترسيخ القيم، وخدمة المجتمع.

ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب أي منبر أن ينشغل بكثرة الكلام عن سؤال الأثر، أو أن يتحدث إلى الناس من بعيد من دون أن يسمع أسئلتهم وهمومهم وتطلعاتهم. فالمنبر الناجح ليس الذي يتحدث إلى الناس فحسب، بل الذي يفهمهم، ويقترب من واقعهم، ويمنحهم من الفكر ما يعينهم على الحياة.

وهنا تتجلى الرسالة الأسمى للمنبر: أن يكون صوتًا للعقل والحكمة، وجسرًا بين الفكر والواقع، وعلامة مضيئة في طريق التوعية والإصلاح؛ يحمل كلمة مسؤولة تُبنى بها النفوس، وتُصلح بها المجتمعات، ويظل أثرها ممتدًا بعد أن يخفت الصوت وينفضّ المجلس.