آخر تحديث: 2 / 10 / 2026م - 12:24 ص

بين شرابين

يعقوب السليس *


قال تعالى في سورة النحل:

﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ* ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 68 - 69]

السؤال هو:

ما هذا الشراب؟

هل هو العسل، أم عصير الفاكهة؟

الزبدة أولًا

إذا وضعنا الاحتمالين أمام اللغة والبيولوجيا والكيمياء والطب، يبدو العسل أكثر انسجامًا مع الوصف الكامل.

فهو يُشرب، ويختلف لونه، وتدخل مادته الأولية جسم النحلة فتتعرض لتحولات إنزيمية وكيميائية قبل أن تخرج وتستكمل نضجها في الخلية، كما أن له خصائص مضادة للميكروبات وآثارًا علاجية موثقة.

أما عصير الفاكهة فنستخرجه نحن من خلايا الثمرة، ولا يملك بوصفه فئة عامة خاصية علاجية واحدة يمكن تعميمها على جميع العصائر.

العلم هنا لا يفسر النص الديني، لكنه يستطيع اختبار الصور التي نبني عليها قراءتنا.

ومن اكتفى بالزبدة، فهذه هي.

أما من أراد أن يعرف لماذا… هيّا إلى التفاصيل.

من المخاطب إلى الغائب

تبدأ الآية بخطاب النحل بصيغة المفرد المؤنث: «اتخذي» و«كلي» و«اسلكي»، ثم تنتقل إلى الغائب في: «يخرج من بطونها».

قد يبدو أن المرجع تغير، لكن «ها» في «بطونها» ضمير مفرد مؤنث، أما الجمع ففي كلمة «بطون». والانتقال من المخاطب إلى الغائب معروف في العربية والقرآن، كما في قوله تعالى:

﴿حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: 22]

انتقل التعبير من «كنتم» إلى «بهم»، مع بقاء الحديث عن الجماعة نفسها. لكن المسألة لا تُحسم بالضمير وحده؛ فإن «الثمرات» جمع غير عاقل، ويمكن أن يعود عليه ضمير المفرد المؤنث.

لذلك يبقى السؤال:

إذا كانت «بطونها» تعود إلى النحل، فما المقصود بالبطون؟

وإذا كانت تعود إلى الثمرات، فما المقصود ببطون الثمرات؟

هل العسل شراب؟

العسل كثيف، لكنه سائل شديد اللزوجة. واللزوجة تؤثر في سهولة الجريان، لا في إمكان الشرب. وقد يقال إن «الشراب» في القرآن يرد كثيرًا للماء والسوائل الخفيفة. صحيح، لكنه لا يصبح بذلك مرادفًا للماء وحده. فالقرآن يتحدث عن «شراب من حميم»، وعن الماء بأنه «سائغ شرابه»، ويذكر أيضًا أنهارًا من ماءٍ غير آسن، ولبنٍ لم يتغير طعمه، وخمرٍ لذةٍ للشاربين، وعسلٍ مصفّى. واللافت أن الآية لم تقل: «يخرج من بطونها عسل»، بل قالت: «شراب». وهذا ليس غريبًا على الأسلوب القرآني؛ فقد يُذكر الشيء بوصفه بدل اسمه المباشر. ففي سورة الطارق: ﴿خُلِقَ مِن مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: 6]

ولم يقل «من المني»، بل وصف المادة بما يلائم السياق. فعدم ذكر اسم العسل صراحة لا يكفي وحده لنفي أن يكون هو المقصود. والاستعمال العربي القديم نفسه لا يجد غرابة في شربه. ففي الحديث الصحيح، جاء رجل إلى النبي محمد ﷺ يشكو بطن أخيه، فقال له: «اسقه عسلاً».

وفي بيتين منسوبين إلى ابن نباتة المصري:

اسقني شربةً ألذُّ عليها

واسقِ بالله مثلها ابنَ هشام

عسلاً بارداً بماء سحابٍ

إنني لا أحب شرب المدام

فالعسل هنا شيء يُسقى ويُشرب.

أما القول إن شربه يحرق اللسان أو المعدة أو الأمعاء، فلا يعرف الطب العسل الطبيعي بهذه الصفة العامة. بل استُخدم مباشرة على الأغشية المخاطية للفم في تجارب سريرية، ومنها حالات التهاب شديد بسبب العلاج الإشعاعي، وسجلت دراسات انخفاضًا في شدة الالتهاب.

ماذا يوجد في بطن النحلة؟

عندما تمتص النحلة الرحيق، ينتقل إلى الحوصلة، المعروفة شعبيًا ب«معدة العسل»، وهي منفصلة وظيفيًا عن المعدة الهاضمة. وفيها تبدأ المادة بالتغير. تضيف النحلة إنزيمات من إفرازاتها، فتتغير بعض السكريات، ثم تعيد المادة عبر الفم إلى الخلية، وتزال منها كمية كبيرة من الماء حتى تنضج.

أي إن ما يدخل النحلة لا يخرج كما دخل.

أما الثمرة فليست، في معظم الحالات، وعاءً مملوءًا بعصير حر. فالماء والسكريات والأحماض موجودة داخل خلايا أنسجتها، وما نسميه عصيرًا يظهر عندما نمزق هذه الخلايا بالعصر أو القطع أو المضغ.

وباختصار:

النحلة تُخرج مادة كانت داخل جسمها.

أما الثمرة فنحن نُخرج منها العصير.

مختلف ألوانه

العسل ليس لونًا واحدًا. فالمعايير الدولية تصف ألوانه من شبه عديم اللون إلى البني الداكن، ويتأثر اللون بالمصدر النباتي والمركبات الموجودة فيه وظروف التخزين.

قد يكون الفرق بين عصير البرتقال والرمان أوضح للعين، لكنه لا يجعل اختلاف اللون خاصية للعصائر وحدها.

فيه شفاء للناس

العسل ليس دواءً لكل مرض، لكن القول إنه لا يملك خصائص علاجية لا يتفق مع الأدلة الطبية. فقد دُرس استخدامه في بعض التهابات الفم والجروح والحروق والسعال لدى الأطفال فوق عمر السنة، مع تفاوت في قوة الأدلة. كما أن للعسل نشاطًا مضادًا للميكروبات لا يرتبط بمرض واحد.

فهو ليس مجرد ماء وسكر. يحتوي إنزيمات أضافتها النحلة أثناء تصنيعه، مثل إنزيم أوكسيداز الغلوكوز «Glucose oxidase»، الذي ينشط أكثر عند تخفيف العسل، فيحوّل جزءًا من الغلوكوز إلى حمض الجلوكونيك وفوق أكسيد الهيدروجين. حمض الجلوكونيك يزيد حموضة الوسط، بينما يسهم فوق أكسيد الهيدروجين مباشرة في النشاط المضاد للميكروبات. ويجتمع ذلك مع ارتفاع تركيز السكر، وانخفاض الماء المتاح للميكروبات، ومركبات أخرى نباتية ومن مصدر النحلة، فتتشكل منظومة تعيق نمو كثير من البكتيريا.

وهنا تظهر مفارقة لطيفة:

بعض النشاط الإنزيمي للعسل لا يبلغ ذروته وهو شديد التركيز، بل يظهر بصورة أوضح عندما يُخفف بالماء. هذا لا يثبت أن التخفيف هو سبب وصفه في الآية ب«الشراب»، لكن المعلومة تجعل وصفه كذلك أقل غرابة مما قد يبدو لأول وهلة.

وماذا عن عصير الفاكهة؟

لعصائر الفواكه فوائد بلا شك، وبعض الأنواع أظهرت آثارًا صحية محددة. فعصير البرقوق قد يساعد في الإمساك المزمن، ودُرس عصير الرمان في علاقته بخفض ضغط الدم. لكن فائدة البرقوق لا تنتقل تلقائيًا إلى البرتقال، وما قد يفعله الرمان لا يصبح خاصية للعنب أو التفاح.

أي أن «عصير الفاكهة» ليس مادة واحدة بخصائص علاجية مشتركة.

ثم إن العصير ليس مكافئًا للفاكهة الكاملة. فقد يأكل الإنسان برتقالة واحدة ويكتفي، لكنه يستطيع بسهولة أن يشرب كأسًا كبيرًا من العصير يعادل خمسًا أو ست برتقالات، فيحصل خلال دقائق على نحو 40 إلى 45 غرامًا من السكريات مع ألياف أقل بكثير من الثمرة الكاملة.

وللمقارنة، تعادل هذه الكمية من السكر تقريبًا كمية السكر الموجودة في 50 إلى 55 غرامًا من العسل، أي نحو ملعقتين ونصفًا كبيرتين، وهي كمية لا يتناولها الناس عادة دفعة واحدة.

وهذا لا يجعل العصير ضارًا، لكنه يوضح أن كونه مستخرجًا من الفاكهة لا يمنحه تلقائيًا وصفًا علاجيًا عامًا.

بين شرابين

أحد الشرابين تبدأ قصته برحيق يدخل جسم النحلة، ويتغير بإنزيماتها، ثم يخرج مادة لها خصائص كيميائية وبيولوجية مشتركة بين أنواعها بدرجات متفاوتة.

والآخر نستخرجه من خلايا الثمرة، ويحمل فوائد غذائية وصحية حقيقية، لكنها تختلف بحسب نوع الفاكهة.

وهنا لا نحتاج إلى حكم صاخب.

يكفي أن نعود إلى السؤال الأول:

أي الشرابين ينسجم أكثر مع الوصف كاملًا، لا مع كلمة واحدة منه؟

على الهامش…

يُروى أن رجلين تخاصما على أمنيات لم توجد بعد؛ أحدهما تمنّى غنمًا، والآخر تمنّى ذئابًا تفترس غنم صاحبه. فمر بهما شيخ يحمل زقّين من العسل، فاحتكما إليه.

فلما سمع خصومتهما، فتح الزقين حتى سال العسل في التراب، وقال:

«صبَّ الله دمي مثل هذا العسل إن لم تكونا أحمقين.»

يبدو أن للعسل في التراث استعمالات كثيرة…

ومنها، عند الضرورة، إسكات الجدال.