آخر تحديث: 2 / 10 / 2026م - 12:24 ص

ماذا يعني أن يكون محمّدٌ نورًا؟

الدكتور محمد المسعود


﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: 15]

كوني أتحدث عن «نور الذات المحمدية» لا يعني أنّي أوفيها حقها، أو أدّعي وعيها بتمام وعيها، أو أدركها الإدراك الذي يرتفع إليها. الذاتُ التي وصفها الله تعالى «بالنور» هي ذاتُ محمّدٍ، وحقيقةُ محمّدٍ، وروحُ محمّدٍ، ونورُ محمّدٍ ﷺ؛ في كلِّ واحدةٍ منها تلاوةٌ طاهرةٌ في قلبك، وفي كلِّ واحدةٍ منها تسبيحٌ تتسامى به للوصول إلى الله بجلالِ حضور نوره، الحضور الذي يرفع عنك ظلماتِك المتعدّدة المتفاوتة، في سياق الامتنان العظيم من الله عليك أن وهبك نور محمد، خصيب الدلالة، يملأ قلبك، وتستضيء به.

أول اللحظات حين تتمُّ ولايةُ الله عليك، يُخرجك أوّلَ ما يُخرجك من ظلماتِ نفسك؛ الظلمة في نفسك ليست ظلمةً واحدة، ولا ضعفًا واحدًا، ولا سقوطًا لمرةٍ واحدة. هكذا يُجلي القرآنُ إليك حقيقةَ الضعف فيك، والوهنَ في كينونتك، والظلمةَ في نفسك: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: 257]. إنها ظلماتٌ، وليست ظلمةً واحدةً؛ ظلمةُ قلبك، وظلمةُ نفسك، وظلمةُ عقلك وبصيرتك، وظلمةُ العمى في الغاية والقصد، ولكنّ النورَ واحدٌ، إن بلغته أو بلغك، إن تراءى لقلبك، وتجلّى لك منه الهدى.

﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه: 10].

الله يقدّم النورَ المحمّديَّ ويجعله مقدّمةً أوليّةً للدخول على الوحي: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ﴾ [المائدة: 15]، وهو ذاتُ محمّدٍ، وروحُه، وقلبُه. هو باب الوحي، والبلاغ، والإدراك، والفيض، والكمال، حتى لا تقارب كلامَ الله بظلماتِك الكثيفة المتعدّدة في ظهورها وتمثّلاتها في نفسك وعقلك. ﴿وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: 15]. يصبح الكتابُ بيّنًا ظاهرًا إن دخل عليه قلبُك بقبسٍ من نور محمّد. هو اليقظة المكتملة للروح والقلب.

الذاتُ المحمّدية تمثّل أوّلَ خلقٍ، وأكملَ مظهرٍ بشريٍّ للحقّ في الخلق، بتعريف ابنِ عربي في «فصوص الحكم»، في الفصّ السابع والعشرين: «حكمة فرديّة في كلمة محمّدية».

إمامُ العارفين يرى محمّدًا «الاسمَ الأعظمَ» في ذاته التي تجمع حقائقَ الأسماء والصفات. وهو: «أوّلُ التعيّن هو النورُ الأوّل في الخلق». «وكنتُ نبيًّا وآدمُ بين الماء والطين بألفي عام»، حديث نبوي.

أوّلُ التعيّن، أي: أوّلُ خلقٍ خلقه الله لعظيم شرفه، وعظيم منزلته، وعظيم جلال روحه، ولجلال نوره: «وخلقه قبل كلّ شيء، وخلق من نوره كلّ شيء». «أوّلُ ما خلق اللهُ نوري». حديث نبوي شريف.

وفي «الفتوحات المكيّة» «ج 1، ص 243-244» يرى ابنُ عربي أنّ الوصول إلى الله يوجب بالضرورة الخروجَ من ظلمتك، وأنّ النور الذي يطهّرك منها هو نورُ محمّد بن عبد الله ﷺ، وهو الذي يؤهّل وعيَك وقلبَك للوحي. وبهذا يصبح التسلسلُ في السلوك إلى الله على سبيل المقدّمة الواجبة: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: 15]. محمّدٌ يأتي أوّلًا، ثمّ الدخولُ على الكتاب المنزَّل على قلبه ثانيًا.

ابنُ سينا سبق ابنَ عربي في تقريره أنّه ما من ذاتٍ قادرةٍ على استيعاب تمام النور بتمام الكمال والجلال والجمال فيه غيرُ ذاتِ محمّدٍ وروحِه، وهذه عِلّةُ تخصيص الله نزولَ الوحي بقلبه ﷺ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: 193-194].

وهكذا يلتقيان في حقيقة أنّ محمّدًا ونورَه هما أكملُ مظهرٍ وجوديٍّ للحقّ في الخلق.

ولأنّ نورَ الله ونورَ الروح المحمّدية حقيقةٌ وجوديّة وليست مجازًا، كما أثبت الإمامُ الغزالي في كتابه «مشكاة الأنوار»، يتبنّى ابنُ عربي رؤيتَه كاملةً في أنّ النور المحمّدي من حقائق الوجود، وليس مجازًا عن الهداية. ويظهر أنّ ابنَ سينا وإن تناول مباحث النور في سلالم المعرفة: «النفس، ثم المعرفة، ثم العقل، ثم الفيض، والخاتمة في النور» جعل الوصولَ للنور المحمّدي مكافأةً وخاتمةَ السير، وهو جنّةُ السالك، لا مقدّمةً أوليّةً في السير.

حين يخبر اللهُ قلبي وقلبَك أنّه بعث لنا نورًا يحمل وحْيًا من نور ليضيئك ويضيئني… فهذا يدخل في بنية الوجود الروحي، وبنية الكشف والتجلّي، ويتجاوز أطرَ المعرفة في مقدماتها وحملها، ويتجاوز الرسالةَ في تبليغها وبيانها.

كلُّ المسافات ضالّة، وكلُّ السبل تتربّص بك، وكلُّ المسارات تخبّئ لك قبرًا في نهايتها، وكلُّ الغايات تتبدّل وتغيّر ذاتها… وأمّا نورُ محمد والذاتُ المحمّدية ﷺ فهما سفينةُ نوح؛ نورٌ من جلال الله يتنزّل على قلبك غمامةً تستدعي غمامةً تُقبل على روحك، وتُقبل على نفسك، تباغتك بما لا تبلغه بسعيٍ منك، وتعجز عن الارتفاع إليه.

وهذه عِلّةُ تسميته رحمةً للعالمين؛ لأنه به يرفعك، وبه يطهّرك، وبه يفيض عليك، وبه يدنيك، وبه يعطيك حتى ترضى، ويحيي العروق بعد ضمورها، وينعش الحواس بعد خمولها. ويوقظ القلب على أجمل ما يبلغ إدراكه من الجمال.

حينئذٍ ينكشف عن قلوبنا سرُّ مداومة الصلاة عليه: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلِّمْ؛ لأنّها وحدة الجذب التي تحمل قلبَك إليه، وتحفر نهرًا من العذوبة يروي قلبك أبدًا حتى تقف بين يدي الله فتقول لله: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ [التحريم: 8]. برؤيته، صلوات الله وسلامه عليه، سيدِ الأشراف، أعزِّ ما كنت تطلبه، وأعظمِ ما يرتجيه قلبك.