آخر تحديث: 30 / 9 / 2026م - 11:27 م

د. إبراهيم سعيد… الطبيب الإنسان

رضي منصور العسيف *

كلما التقيتُه، بادرني بالسؤال:

— فين المحاضرات والمؤتمرات؟

فأجيبه مبتسمًا:

— قريبًا…

هكذا كان أستاذنا العزيز، الدكتور إبراهيم سعيد، يشحذ الهمم بكلمة، ويفتح أمامك بابًا جديدًا من الأمل. اسمٌ يعرفه الأطباء والمرضى، وحضورٌ يجمع بين العلم والإنسانية؛ يقف إلى جانب الناس في شدائدهم، ويمنحهم من وقته واهتمامه ما يخفف عنهم ثقل المرض.

لم يكن يردّ مريضًا سأله عن موعد، بل يقول له ببساطة: «تعال لي العيادة الأسبوع القادم»، مع أن العيادة مزدحمة والمواعيد كثيرة. كان يرى في كل مريض إنسانًا يستحق أن يُصغى إليه، وأن يجد من يمدّ له يد العون.

عرفتُه منذ سنوات، منذ بدايات تأسيس وحدة الغسيل الكلوي البريتوني. كنا نمشي معًا ذات يوم، فقال لي:

— عاوزينك معنا في القسم.

كانت كلمات قليلة، لكنها استقرت في قلبي طويلًا. شعرتُ يومها أن لي مكانًا في هذا القسم، وأن عليّ أن أواصل المسير فيه؛ فكان لتشجيعه أثرٌ كبير في ارتباطي بقسم الكلى وتمسكي بالعمل فيه.

يُعدّ الدكتور إبراهيم سعيد من الشخصيات التي أسهمت في تأسيس مستشفى الملك فهد الجامعي، وترك بصماته في أرجائه. كما كان له دورٌ بارز في تعليم أجيال من طلبة كلية الطب وتخريج أطباء أصبح كثيرٌ منهم أساتذة واستشاريين، وتولّوا مواقع علمية ومهنية رفيعة.

ولعلّ أجمل ما يمكن أن يُقال فيه أنه لم يكن طبيبًا يداوي المرض فحسب، بل كان سندًا يطمئن إليه المريض، ومعلّمًا ينهض بمن حوله، وأبًا روحيًّا عرفته أروقة المستشفى؛ يزرع الألفة، ويشجّع العاملين، ويمنح كل من يلتقيه شعورًا بأنه موضع اهتمام.

كلماتٌ تفتح أبوابًا

كان الدكتور إبراهيم من أوائل المشجعين لي على إقامة المؤتمرات العلمية والمعارض التوعوية الخاصة بالتغذية. وكلما شاركتُ في معرض، وجدته حاضرًا؛ يقف، ويستمع، ويسأل، ثم يشجّعني على الاستمرار. لم يكن حضوره مجاملة عابرة، بل رسالة دعمٍ صادقة تقول: ما تقدمه يستحق أن يُواصل.

وشجّعني كذلك على إعداد كتيّبٍ للتغذية لمرضى الكلى، ثم امتدّ تشجيعه إلى الكتابة الأدبية. أعطيته ذات يوم روايتي «دايتستان»، فقرأها وأعجب بفكرتها، ثم قال لي مشيرًا إلى مرضى الفشل الكلوي:

— اكتب لنا رواية لهؤلاء المرضى.

قلت له:

— هذا صعب.

فأجابني بثقة:

— ليس صعبًا عليك… فقط ابدأ، وستجد الأمر سهلًا.

كانت كلمته دفعةً أخرى إلى الأمام. وحين انتهيت من مسودة رواية «رحمة»، حملتها إليه وقلت:

— يا دكتور، هذه المسودة، وبقيت عليك مراجعتها وإضافة بعض النقاط الطيبة التي تركتها لك.

قرأها، وأعجب بفكرتها، ثم أكمل الفقرات الطبية فيها. وحين أخبرته أنني سأذكر اسمه بوصفه مراجعًا للكتاب، قال بتواضعه المعهود:

— لا… فقط اشكر قسم الكلى ووحدة الغسيل الكلوي.

تقدّمتَ كثيرًا

وظلّ يشجّعني في كل لقاء، حتى أتممتُ كتابة كتاب «حكايات تنبض بالحياة»، وهو مجموعة من القصص والمواقف مع مرضى الغسيل الكلوي. وحين أطلعته عليه، قرأه وقال:

— أنت في هذا الكتاب تقدّمت كثيرًا.

ثم دعوته إلى حفلٍ نكرّم فيه المرضى الذين كُتبت حكاياتهم في الكتاب، فقال على الفور:

— حاضر.

واتفقنا أن نقيم التكريم في ديوانية أحد المرضى. جاء الدكتور إبراهيم، وشارك في الاحتفاء بهم بكل تواضع؛ فكان حضوره تقديرًا للمرضى، ولفتةً إنسانية بقي أثرها في نفوسهم.

وعند عودتنا من الحفل، قلت له:

— ما رأيك يا دكتور أن أكتب عنك، تحت عنوان «من ذاكرة طبيب»؟

ضحك وقال:

— العنوان جميل… بس خلّيني أرتّب حالي وأجلس معاك.

ظلّ وعده الجميل يتردد في خاطري، إلى أن صدر كتابي الجديد «جواهر من نبض الحياة». قلت له:

— هذا الكتاب سيُسعدك يا دكتور.

فسألني:

— وما هو؟

قلت:

— اقرأ العنوان.

قرأه، ثم نظر إليّ وقال مازحًا:

— في باريس… أنت وصلت العالمية!

ضحكنا معًا، وقلت له:

— هل تذهب معي؟

فضحك وقال:

— أخاف على نفسي!

ثم سألته مرة أخرى:

— ومتى أجلس معك لأكتب «من ذاكرة طبيب»؟

فقال:

— قريبًا…

لكنّ الأيام سبقت جلستنا، وفاجأني سفره إلى كندا.

قلت في نفسي: ليتني بادرت وجلست إليه، لأدوّن شيئًا من تجاربه وحكاياته. لكنني أدركت أن سيرته لا تحتاج إلى صفحاتٍ تُروى فحسب؛ فكثيرٌ من تجاربه حاضرٌ في قلوب المرضى، وفي ذاكرة زملائه وطلابه، وفي أثره الذي تركه في كل من عرفه.

لقد تجسّدت إنسانيته في مواقفه، وفي كلماته المشجعة، وفي أبوابه التي لم يغلقها أمام محتاج، وفي بساطته التي جعلت العلم قريبًا، والإنسان أغلى ما في الحكاية.

حفظك الله يا دكتور إبراهيم أينما كنت، وأدام عليك الصحة والعافية. ستبقى حاضرًا في ذاكرة القسم، وفي قلوب مرضاك ومحبيك، وفي كل خطوةٍ شجّعتَ صاحبها على أن يبدأ.

كاتب وأخصائي تغذية- القطيف