آخر تحديث: 30 / 9 / 2026م - 11:27 م

حين أحببتُ... خانتني القصائد

فوزي آل غريب *


كنتُ أكتبُ للعاشقين رسائلهم،
وأزرعُ في أفواههم وردَ الاعتراف،
وأعلّمُ الخائفين أمام الحب
كيف يقولون: أحبكِ،
دون أن ترتجف الحروف.

كم عاشقٍ استعار قلبي
ليصلَ إلى قلب حبيبته!
وكم امرأةٍ أحبت رجلًا
كانت كلماتي تختبئ خلف اسمه!

كنتُ أكتبُ لهم عن الشوق،
وأصفُ لهم وجع الغياب،
وأصنعُ من الحروف جسورًا
تعبرُ عليها قلوبهم إلى من يحبون.

كنتُ أعرفُ كيف يولدُ الحب،
وكيف يشتعل الحنين في صدر الغائب،
وكيف يعتذرُ عاشقٌ عن غيابٍ لم يَختَرهُ،
وكيف تعودُ امرأةٌ إلى رجلٍ
أقسمت ألّا تعود إليه.

كنتُ أعرفُ أسماء الورد،
ومواعيد المطر،
ولغة العيون حين تعجز الشفاه،
وأعرفُ كيف أجعلُ من رسالةٍ صغيرة
وطنًا يسكنه عاشقان.

كم ليلةٍ سهرتُ
لأجمعَ قلبين فرّقتهما المسافات!
وكم مرةٍ أنقذتُ حبًّا
كان على وشك الرحيل!

كانوا يأتونني بقلوبٍ مرتبكة،
ويغادرون وفي أيديهم قصائد،
وأبقى وحدي،
أجمعُ ما تساقطَ من أحلامهم
على أطراف أوراقي.

لم أسأل يومًا
من سيكتبُ لي إذا أحببت،
ولا من سيُعيرني قلبه
حين تعجزُ الكلمات عن حمل قلبي.

كنتُ أظنُّ أنني،
متى أحببت،
سأكتبُ قصيدةً لم يعرف الشعرُ مثلها،
وأنني سأجعلُ النجومَ حروفًا،
والسماءَ ورقةً،
والبحرَ حبرًا لا ينتهي.

حتى أحببتُكِ أنتِ...

جلستُ أمام الورق،
فلم أجد حرفًا واحدًا يعرف الطريق إليكِ.

ناديتُ كل القصائد التي كتبتُها،
فلم تُجبني واحدةٌ.

فتحتُ دفاتري القديمة،
وقرأتُ رسائل العاشقين،
وبحثتُ بين سطوري
عن كلمةٍ لم أمنحها لأحد،
عن تشبيهٍ خبأتُه دون أن أدري،
عن بيتٍ نجا من أفواه المحبين
لأهديه إليكِ.

لكنني وجدتُني
قد أنفقتُ مفرداتي جميعها،
وزّعتُ القمرَ على نوافذهم،
والنجومَ على عيون حبيباتهم،
والوردَ على مواعيد لقائهم،
حتى لم أترك لنفسي
وردةً واحدةً أضعها بين يديكِ.

أنا الذي كنتُ أهبُ العشاقَ أجنحةً،
وقفتُ أمام عينيكِ
لا أعرفُ كيف أطير.

أنا الذي علّمتُهم لغةَ الحنين،
عجزتُ عن وصف ارتجافة يدي
حين لامستُ يدكِ.

وكلما حاولتُ أن أكتبَ لكِ،
وجدتُ عاشقًا سبقني إلى عبارتي،
وامرأةً تحفظُ عن ظهر قلب
ما كنتُ أريدُ أن أقوله لكِ.

حتى خُيّل إليّ
أن العالمَ بأسره
يعيشُ قصةَ حبٍّ
كتبتُها أنا،
وأنني وحدي
لم أجد في قصتي مكانًا.

فخرجتُ أبحثُ بين العاشقين
عن عاشقٍ يُقرضني قصيدة.

طرقتُ أبوابَ الذين
علّمتُهم كيف يكتبون،
وسألتُ الذين
كنتُ أختارُ لهم أسماءَ حبيباتهم
بين النجوم.

قلتُ لهم:
أحببتُ امرأةً
ولا أعرفُ كيف أصفها،
فهل بينكم من يكتبُ لي
ولو سطرًا واحدًا؟

لكنهم كانوا مشغولين بالحب،
يُقبّلون حبيباتهم بكلماتي،
ويُقسمون لهنّ
بقصائدَ خرجت من قلبي.

رأيتُ رسائلي في أيديهم،
وسمعتُ نبضي في اعترافاتهم،
وشاهدتُ النساءَ يبتسمن
لحروفٍ سهرتُ طويلًا
حتى أجعلها تبتسم.

ولم يلتفت إليّ أحد.

عدتُ إلى غرفتي،
وجلستُ أمام الورقة البيضاء،
لأول مرةٍ لا أعاتبُ الغياب،
ولا أصفُ الشوق،
ولا أكتبُ نيابةً عن أحد.

كنتُ أنا العاشقَ هذه المرة،
وكانت حبيبتي تنتظرُ قصيدتها.

أمسكتُ قلمي،
فارتجفت أصابعي،
وكتبتُ اسمكِ...

ثم توقفت.

تأملتُ الحروفَ طويلًا،
فوجدتُ في اسمكِ
ما لم أجده في جميع القصائد.

وحين حاولتُ أن أضيفَ إليه كلمةً،
شعرتُ أنني أُفسدُ شيئًا جميلًا،
وأن كلَّ ما أعرفه عن البلاغة
لا يكفي لوصف ابتسامتكِ.

عندها فقط،
فهمتُ لماذا كان العشاقُ
يأتونني مرتبكين،
ولماذا كانوا يطلبون منّي
أن أكتبَ ما تعجزُ عنه قلوبهم.

كنتُ أظنُّ أنني أعرفُ الحب
لأنني أُجيدُ الكتابة عنه،
حتى جئتِ أنتِ،
فعلّمتِني أن بين كتابة الحب
والوقوع فيه
عمرًا كاملًا من الدهشة.

يا حبيبتي...

لا تسأليني عن القصائد،
فقد تركتُها جميعًا
على أبواب العاشقين.

ولا تسأليني عن الكلمات،
فقد بعثرتُها في رسائلهم،
ولم أحتفظ لنفسي
إلا بهذا القلب
الذي لم يعرف الحبَّ حقًّا
إلا حين عرفكِ.

كنتُ أريدُ أن أكتبَ لكِ
ما لم يُكتب لامرأةٍ من قبل،
أن أُهديكِ قصيدةً
تغارُ منها القصائد،
وأن أجعلَ كلَّ من يقرؤها
يتمنى لو أنه أحبكِ قبلي.

لكنني كلما نظرتُ إليكِ،
نسيتُ ما كنتُ أريدُ قوله.

وكلما ابتسمتِ،
أغلقتُ دفتري،
فكيف أصفُ الفرح
وأنتِ تقفين أمامي؟

وكيف أكتبُ عن الشوق
وأنا أشتاقُ إليكِ
حتى وأنتِ معي؟

وكيف أستعيرُ من القمر ضوءه
وأنا أخشى
أن أظلمَ عينيكِ بالتشبيه؟

لهذا،
سامحيني إن تأخرتُ
في كتابة قصيدتكِ.

سامحيني إن رأيتِ
كلَّ العاشقين يحملون القصائد،
بينما أقفُ أمامكِ
خاليَ اليدين،
ممتلئَ القلب.

وإن سألكِ أحدهم يومًا
لماذا لم يكتب لكِ شاعرُكِ قصيدة،
فقولي له:

لقد كان يكتبُ للعاشقين جميعًا،
حتى أحبَّني،
فنسيَ الشعرَ
وتذكّرَ قلبه.

وحين سألتِني:
أين قصيدتي؟

قلتُ: سامحيني يا حبيبتي،
لقد كتبتُ لجميع النساء قصائد،
أما أنتِ...

فأحببتُكِ
حتى نسيتُ كيف أكون شاعرًا.

لقد علّمتُ العالمَ كيف يكتبُ الحب،
وحين أحببتُكِ...

اكتشفتُ أن الحبَّ لا يُكتب،
بل يُعاش.

وأن أجملَ قصيدةٍ في حياتي،
هي تلك التي
كلما حاولتُ كتابتها...

نظرتُ إليكِ، ونسيتُ الكلام.