أفكار للمتقاعدين

تسعى الدول المتقدمة إلى تقديم رعاية نوعية ومتميزة للمتقاعدين من العمل لوصولهم إلى السن القانونية لذلك، باعتبارهم الجيل الأول الذي قدم خدماته وقام بواجباته في سبيل رفعة المجتمع وعزة الوطن.
فتكثر في هذه الدول مؤسسات الرعاية، وأندية الترفيه الخاصة بهذه الشريحة الاجتماعية، ومؤسسات العمل التطوعي والخيري المنسجمة مع ظروف هذه الشريحة النفسية والاجتماعية والصحية.
وبدأت هذه الدول بتطبيق نظام جديد ينص على ضرورة استفادة الشركات والمؤسسات الاقتصادية والتجارية والعلمية من خبرات هذا الجيل ونضجه العملي والنفسي، عن طريق استحداث وظائف تحت مسمى «مستشارين»، يمارس من خلالها كبار السن دورهم في العمل والتطوير.
وفي اليابان، يعتبر المتقاعدون جزءًا من الثروة القومية، لخبراتهم وكفاءاتهم ودورهم في بناء المعجزة الاقتصادية والصناعية اليابانية. لذلك فإن المؤسسات العامة والخاصة اليابانية توظف كل الإمكانات والوسائل لرعاية هذه الشريحة، لدرجة أن الدولة تقوم بتنظيم رحلات ترفيهية دائمة للمتقاعدين من العمل في جزر المحيط الهادئ.
فالدول المتقدمة تؤسس المؤسسات وتصنع المبادرات لرعاية هذه الشريحة الاجتماعية التي قامت بدورها الوطني، إبان شبابهم وقوتهم، وحان وقت رعايتهم من جانب مؤسسات المجتمع تقديرًا لهم وعرفانًا بالجميل للدور أو الأدوار التي قاموا بها في بناء المجتمع والوطن.
ونحن أمام هذه العقلية الحضارية، والروح الاجتماعية الوثابة التي تسعى عبر طرق ومبادرات حضارية لامتصاص خبرات الجيل القديم، بحاجة إلى أن نعيد النظر في نظمنا الاجتماعية، وأعرافنا السائدة التي تتعامل مع هذا الجيل كأن لا دور له إلا انتظار الموت.
وحتى نتعامل مع هذه المسألة بشكل موضوعي، نحن بحاجة في البداية إلى أن نوضح أهمية أن يجترح هذا الجيل لنفسه طريقًا جديدًا بحيث يرفض أن يكون على هامش المجتمع وحركته الاقتصادية والعلمية والاجتماعية، ويبدأ انطلاقًا من تكوينه النفسي والاجتماعي في اجتراح أنشطة تبقي هذا الجيل في قلب المجتمع وحركته المتعددة.
وبعد ذلك تأتي أهمية أن يقوم المجتمع بدوره في مجال توفير كل الأسباب المؤدية إلى إعادة الاعتبار إلى هذا الجيل واستحداث وسائل ومبادرات في سبيل إنجاز التعامل الحضاري مع هذا الجيل الرائد.
ومن هذا المنظور، نحدد بعض الأفكار كمداخل لإعادة الاعتبار إلى هذا الجيل أولًا، ولكي لا تفهم مقولة التقاعد بمفهوم سلبي بحيث يتخلى الإنسان عن ممارسة أي عمل من جهة أخرى.
إذ إن من المجالات المهمة التي من الضروري أن يوليها المتقاعد أهمية قصوى، ويبذل من وقته وجهده في سبيل تقويتها، وتمتين حركتها ودورها في المجتمع هي الأنشطة التطوعية.
إذ تمتلئ مجتمعاتنا بالحقول والأعمال التطوعية والخيرية، فلماذا لا يلتحق المتقاعد بأحد حقول التطوع وأنشطة فعل الخير، ويبذل جزءًا من خبرته ووعيه الحياتي في سبيل تطوير تلك المنشأة التطوعية أو الخيرية.
حيث إننا نجد في الكثير من المجتمعات المتقدمة أن كبار السن فيها يخصصون جزءًا من وقتهم، سواء بشكل يومي أو أسبوعي أو شهري، للمشاركة في الأنشطة التطوعية والأعمال الخيرية، ويباشرون من خلال ذلك دورهم الإنساني، فبدل الجلوس على قارعة الطرقات، أو الدخول في نفق الفراغ الممل والقاتل، أو تمضية الجزء الكبير من الوقت في أمور وأعمال ترجع بالفائدة النفسية والاجتماعية عليهم وتقدم خدمة جليلة إلى المجتمع الذي ينتمي إليه الإنسان.
ولا بد أن ندرك في هذا المجال أن استصغار هذه الأعمال أو تحقيرها لا ينم عن روحية حضارية وعقلية ناضجة، وإنما يؤكد عقلية الانحطاط التي تزيد من حيرة الإنسان وضياعه.
إن كبار السن هم ثروة المجتمع والوطن، وخبرته وذاكرته التاريخية، وليس من العدل والإنصاف أن يكون دور هذه الثروة والخبرة خارج التاريخ، وعلى هامش المجتمع.
في أعناقهم مسؤولية إفادة الأجيال الجديدة من خبرتهم ووعيهم ونضجهم الحياتي، عن طريق الانخراط في الأنشطة الخيرية والتطوعية التي تزخر بها مجتمعاتنا.
لقد أنعم الله سبحانه وتعالى على الكثير من المتقاعدين بثروة مالية جيدة من خلال ادخارهم مدة خدمتهم وعملهم، لذلك فإن خروج هذا الإنسان من عمله، لوصوله إلى السن القانونية لذلك، لا يبرر له التقاعس عن العمل وكسب الرزق.
إن وجود المال لديه ينبغي أن يحفزه للعمل الاستثماري بما يرجع بالفائدة عليه وعلى وطنه.
لأن تجميد المال هو إخراج له من الدورة الإنتاجية والاقتصادية، ولا شك أن إخراج الملايين من الريالات من الدورة الاقتصادية الطبيعية يضر بالاقتصاد الاجتماعي والوطني.
لماذا لا يستفيد المتقاعد من خبرته والأموال التي حصل عليها في تأسيس الشركات والمؤسسات التجارية والاقتصادية، التي تجعله مشاركًا في الاقتصاد الوطني ومساهمًا في استيعاب وامتصاص مجموعة من الأيدي العاملة الوطنية، والإنسان الذي لا تسعفه صحته من مباشرة وتأدية هذه الأعمال، فبإمكانه أن يشترك مع غيره أو يساهم في الشركات المساهمة.
المهم في تقديرنا ألا يبقى المتقاعد بعيدًا عن ساحة العمل حتى ولو كان يسيرًا، لأن في هذا تحقيقًا لذاته وتأديةً لمسؤوليته الاجتماعية والوطنية.
بادئ ذي بدء لا بد من القول: إن العلم ومواصلة اكتسابه واستيعابه لا يعرف عمرًا معينًا، وإنما هو مطلوب من كل إنسان يمتلك القدرة الذهنية على الفهم والإدراك.
لذلك، لماذا لا يسعى آباؤنا إلى أن يبذلوا جزءًا من وقتهم في اكتساب العلم والمعرفة، إذ إن في اكتساب العلم والمعرفة كل الشرف والمكانة الاجتماعية اللائقة.
وقد نقلت لنا وسائل الإعلام قبل مدة زمنية قصيرة العديد من النماذج الإنسانية التي تقدم بها العمر، إلا أنها، حبًا للعلم وإدراكًا منها لأهمية المعرفة في حياة الإنسان، تجاوزت كل الصعاب، وبدأت تبذل الجهود والإمكانات في سبيل زيادة معارفها واكتساب العلم النافع لها.
إن هذه النماذج تدفعنا إلى ضرورة إعادة الاعتبار إلى العلم والمعرفة ليس بالنسبة إلى شباب الوطن فحسب، وإنما بالنسبة إلى كبار السن أيضًا.
وينبغي لنا كمجتمع أن نقوم بدورنا في بلورة الطرق المناسبة لتحويل هذا التطلع إلى حقائق قائمة ووقائع مجتمعية راسخة.
وإن هذه الأفكار والبرامج الاجتماعية والتطوعية للمتقاعدين ليست مسؤوليتهم وحدهم، وإنما يتحمل المجتمع أيضًا مسؤوليته في تحويل هذه الأفكار إلى حقائق اجتماعية وثقافية واقتصادية.
فأنديتنا الرياضية تتحمل مسؤوليتها في هذا المجال، إذ ينبغي أن نفكر بشكل جاد في هذا الموضوع، لتمكين المتقاعدين من الاستفادة من المنشآت الرياضية التي يزخر بها وطننا.
فلماذا لا تكون هناك برامج رياضية وترفيهية خاصة بالمتقاعدين في هذه المنشآت، ولماذا لا تقوم المؤسسات الرسمية والأهلية بتأسيس أندية للمتقاعدين المنتسبين إليها، وهكذا بقية الأطر والمؤسسات الاجتماعية والاقتصادية.
وجماع القول: إن المجتمع بمؤسساته وأطره المتعددة يتحمل مسؤولية كبيرة في إطار استحداث مؤسسات وأندية وبرامج منسجمة مع ظروف المتقاعدين النفسية والصحية والاجتماعية، أما بقاؤهم هكذا من دون أي برامج، ودورانهم في حلقة مفرغة، فإنه، إضافة إلى مضاره النفسية، يُخسرنا مجموعة كبيرة من الطاقات والخبرات، كان بإمكاننا الاستفادة منها ضمن مبادرات اجتماعية منسجمة مع التكوين النفسي لهذه الشريحة الاجتماعية.
ولا بد أن يبدع المجتمع أساليب وطرقًا إعلامية وتوجيهية واجتماعية لإقناع المتقاعدين بضرورة الانخراط في شؤون الحياة. وأن التقاعد والخروج من العمل والوظيفة ليس نهاية الحياة، وإنما هو نهاية لطور من أطوار الحياة وبداية لطور آخر. وينبغي أن يتهيؤوا نفسيًا وعمليًا للانخراط في الطور الجديد من حياتهم العملية والاجتماعية.
إن هذه الأفكار أولية، محورها يتجسد في ضرورة إعادة النظر في مفاهيمنا وآرائنا فيما يرتبط بموقع الجيل القديم، ودوره في مرحلة ما بعد التقاعد، هل يستمر أفراده في الانتظار المميت إلى مصيرهم دون أن يحركوا ساكنًا، أو يقوموا بدورهم الطبيعي كبشر وهبهم الله عز وجل العديد من المواهب والطاقات.
إن ما نود قوله في هذا المقال هو أن جيل الآباء يختزن الكثير من الخبرات والطاقات والنضج النفسي والعملي.
ومن الحكمة بالنسبة لنا كأفراد ومجتمع أن نعيد النظر في موقع هذا الجيل في الخريطة الاجتماعية، ودورنا تجاهه، ونسعى إلى القيام بمبادرات اجتماعية جديدة تتجه إلى الاستفادة من خبرة هذا الجيل، وتشجيع أفراده على ممارسة دورهم الطبيعي في هذه الحياة، عبر البرامج والأنشطة التي تمزج بين الترفيه المناسب والمفيد لهذا الجيل والخدمات التي ينتظرها المجتمع من هذا الجيل.
وهذا بطبيعة الحال، يتطلب أولًا تجديدَ ثقافتنا ونظام مفاهيمنا ومعاييرنا في التعامل والموقع الذي نراه ضروريًا أن يتبوأه الجيل القديم.
وثانيًا، ضرورةَ الانفتاح وسيادة العقلية الحضارية القادرة على التحرر من أسر التقاليد البالية، والأعراف التي تنتمي إلى عصور التخلف والعزلة عن العالم. وينبغي أن ندرك في هذا المجال أن الموت في المنظور الإسلامي ليس عدمًا، وإنما هو انتقال لحياة أخرى.
وحتمية الموت بالنسبة للإنسان وكل الكائنات الحية ينبغي أن تدفعنا إلى إعادة النظر في حياتنا وممارساتنا، حتى تكون حياتنا مزرعة حقيقية ذات ثمار عديدة ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، إنه يوم ملاقاة الباري عز وجل والانتقال إلى الدار الآخرة.
يبدو لي أننا جميعًا أبناء هذا العصر، بحاجة دائمًا إلى أن نعي الحياة من خلال تطوير نظرتنا إلى الموت… لأن الإنسان الاستهلاكي الذي تريد الحضارة الحديثة أن تفرضه على الآخرين كنموذج، يريد أن يعيش يومه، وأن يمارس اللذة المادية لا الروحية، وأن يبحث باستمرار عن كل ما يمنحه هذه اللذة دون مراعاة للمحظورات والمحرمات. إنه أسير تحققه المادي الدائم واليومي والمطلق، ولا يبحث عن تعويضات أخرى في أماكن أخرى أو عوالم أخرى. الحياة في هذا المنظور الحديث هي البحث عن المتعة بأي ثمن.
والمجتمع الاستهلاكي كله مقاد بهذا البحث الدائب عن المتعة الجديدة واللذة الجديدة. والمصلحة المادية الفردية الضيقة هي مبدأ سير وعمل وتطور المجتمع، ويضطر الأفراد الذين أنهكتهم وتيرة البحث الدائم والسعي الذي لا يرحم للوصول واللحاق بأقصى نماذج الاستهلاك والمتعة والركض وراء المادة، والذين قرروا لذلك أن يعودوا إلى مفاهيم قائمة على القناعة، إلى هجرة المجتمع وتكوين ملل شبه دينية وتجمعات تبدو وكأنها يوتوبيات لا تلبث أن تزول وتنحل من تلقاء نفسها مع الزمن.
ويشير الكاتب المعروف «برهان غليون» إلى مثل هذه التجمعات في كتابه «مجتمع النخبة» بقوله: «نشأت في العالم الغربي حركات كثيرة حاولت أن تعود إلى حياة البساطة…
وصورة البدائي الجميل والسعيد راسخة في الذهن الغربي، ومرتبطة بالمشاعر التي تبعثها رؤية الطبيعة في النفس وتأمل انسجامها. لكن جميع هذه الحركات تظل جزئية وتعكس ردة ضد منظومة القيم المادية السائدة، إنهم يضطرون بسبب أفكارهم إلى الانعزال عن المجتمع والذهاب إلى الريف لبدء حياة رعوية وزراعية كما في القرون الوسطى، وهم في نظر المجتمع صورة مسلية لجنون جميل ولخلاص خيالي طوباوي».
فمن دون الموت وعودة الروح إلى خالقها وبداية حياة الخلود في الجنة تصبح الحياة الدنيا بلا معنى بقدر ما هي حياة فانية، حياة صراع وعمل وجهد ونزاع ومرض وقلق ومادة.
كما أن الروح هي المفهوم المفتاح للعالم القديم، فإن المادة هي المفهوم المفتاح للعالم الحديث، فإن الموت هو سبيل تحرير الروح وخلاصها، وقدسيته من قدسية الروح.
وتذكّر الموت وهضمه واستيعابه كحقيقة قائمة يؤثر في سلوك الإنسان، وفي موقفه من المجتمع ومن الطبيعة ومن المادة، وبقدر تركز هذا الشعور والمعنى في العقل، مع وجود الغرائز التي تدفع الإنسان دائمًا إلى البحث عن إشباعها، تصبح التربية ذاتها محاولة لإخضاع الذات وتقوية الإرادة والبحث عن التقشف والسيطرة على النفس.












