بلا نهاية

العمل في السنوات القليلة الماضية كان له بداية ونهاية يمكن رؤيتهما، حيث كان يذهب الإنسان إلى عمله، يؤدي ما عليه، ثم يعود إلى بيته وقد ترك جزءا كبيرا من مسؤولياته خلفه. أما إنسان اليوم، فقد تغيرت علاقته بالعمل والوقت معا، يحمل هاتفه فيحمل معه بريده ورسائله ومواعيده وأخباره والتزاماته، حتى أصبح من الصعب أن يعرف متى انتهى العمل ومتى بدأت الحياة.
أكثر ما يرهق الإنسان المعاصر ليس كثرة الأعمال وحدها، وإنما ذلك الشعور الدائم بأن هناك شيئا آخر كان ينبغي أن يفعله. ينجز مهمة فتظهر أخرى، يجيب عن رسالة فتصل رسالتان، يرتب أمرا فيتذكر ثلاثة أمور مؤجلة. هكذا لا تأتي لحظة الإنتهاء التي ينتظرها، فينام أحيانا وهو يشعر بالتقصير، مع أنه أمضى يومه كله يعمل.
قلق الوقت، شعور ربما هو أعمق من مجرد فوات فرصة لأنه يجعل الإنسان يراجع ماضيه، يزدحم بحاضره، ويخشى مستقبله في اللحظة نفسها. يتساءل في داخله عما كان ينبغي أن يفعله بالأمس، وما يجب أن ينجزه اليوم، وما إذا كان سيجد وقتا لما ينتظره غدا. بذلك يتحول الوقت من مساحة نعيش فيها إلى شيء نطارده ولا نستطيع اللحاق به.
يتقاعد الإنسان عن العمل ويغادر مكتبه، لكنه يجد أمامه أعمال المنزل، وشؤون الأسرة، والمواعيد الصحية، والالتزامات الاجتماعية، والمعاملات، والرسائل، والقراءات المؤجلة، والأهل والأصدقاء الذين ينبغي السؤال عنهم، وأشياء كثيرة ظل يرددها سنوات: سأفعلها عندما يتوفر لدي الوقت. يأتي الوقت، ليكتشف أن الفراغ نفسه سرعان ما يمتلئ.
لعل الخطأ الذي يقع فيه معظمنا هو اعتقادنا أن الراحة ستبدأ عندما ننتهي من الوظيفة. لنكتشف لاحقا أنه لا نهاية لكل شيء. الحياة بطبيعتها تنتج أعمالا جديدة كل يوم، ومن ينتظر فراغ القائمة كي يطمئن قد ينتظر طويلا. لذلك لا تكمن الحكمة في الوصول إلى يوم بلا مهام، وإنما في تعلم العيش بسلام مع وجود مهام لم تنجز بعد.
ليس كل رسالة بريدية تحتاج إلى إجابة مصاغة بعناية فائقة، ولا كل مهمة تستحق أفضل ما لدينا من وقت وطاقة، ولا كل شأن صغير ينبغي أن يتحول إلى مشروع كامل. هناك أشياء يكفي أن تنجز بصورة جيدة، وأشياء يكفي أن تنجز بصورة عادية، وأشياء لا بأس أن تؤجل، وهناك بعض الأشياء التي قد نكتشف لاحقا أنها لم تكن تستحق أن نفعلها أصلا.
الإنسان تغيب عنه حقيقة أنه يملك رصيدا محدودا من الانتباه والطاقة والعمر، وإذا أنفق أفضل ما لديه على التفاصيل الصغيرة، فقد يصل إلى الأمور الكبرى منهكا. لذلك فإن ترتيب الأولويات ليس مجرد مهارة لتنظيم الوقت، هو في جوهره قرار حول تحديد المكان الذي يليق أن نستثمر فيه حياتنا دون مواربة أو تجميل.
ربما كان الأجدر بنا في نهاية كل يوم أن نعي ما إذا كنا قد أعطينا يومنا ما يستحقه من الوقت. هل جلسنا مع من نحب، أو أنجزنا عملا مهما، أو مشينا تلك الدقائق القليلة.. هل قرأنا، أو صلينا بخشوع وقلب حاضر، أو منحنا جسدنا حقه من الراحة، هل جلسنا مع أنفسنا دون أن نطارد شيئا ما..؟ عندها فقط يصبح يومنا مكتملا بمعنى مختلف، حتى وإن بقيت في القائمة أعمال كثيرة لم تنجز.
الحياة أيام محدودة ينبغي ألا نستهلكها جميعها في التحضير والتخطيط لما يجب علينا أن ننجز. ستبقى دائما هناك رسالة لم نجب عليها، زاوية من المنزل لم نرتبها، وموعد كان بالإمكان تأجيله. لكن وسط كل ذلك، هناك أشياء إذا فات وقتها فإنها لا تعود: صحة أهملناها، إنسان لم نتمكن من الجلوس معه، وطمأنينة أرجأنا، ولحظة جميلة مرت بينما نحن منشغلون بأشياء أخرى أقل أهمية.
لهذا لم يكن المطلوب يوما ننجز فيه كل ما لدينا من أشياء، كان المطلوب أن نعرف، ما الذي يستحق أن نعطيه شيئا من عمرنا الذي لا يعادله شيء.












