آخر تحديث: 29 / 9 / 2026م - 1:09 ص

لا تصنع ذئبًا كي تجعل من نفسك ديكًا


التنظير سهل، والتحليل صعب، أما إسقاط الأفكار على الواقع ففيه كثير من المغالطات.

يروي بعض المثقفين حكاية الديك الذي رأى الذئب مقبلًا على القطيع، فصاح. نبح الكلب، وانتبه الراعي، واستيقظ أهل الدار، فهرب الذئب ونجا القطيع. ثم، بعدما اطمأن الجميع، ذبحوا الديك. ويُستشهد بهذه الحكاية على أن المجتمع قد يعاقب أول من نبّهه إلى الخطر.

الحكاية بليغة، وتسلسلها منطقي، وللديك فيها دور مركزي لا يصح إنكاره. لقد رأى ذئبًا حقيقيًا، وصاح في الوقت المناسب، وكان لصياحه أثر في نجاة القطيع. والمفارقة في ذبحه بعد ذلك مؤلمة بحق.

لكن السؤال يبدأ حين ينتقل المثقف من رواية الحكاية إلى وضع نفسه موضع الديك: أين الذئب الذي رآه؟

ليس كل من رفع صوته قد أنذر بخطر، وليس كل قضية وجدها في كتاب خطرًا يطرق أبواب الناس. قد تكون المسألة جديرة بالبحث والنقد، لكن تحويلها إلى أزمة اجتماعية راهنة يحتاج إلى أكثر من بلاغة العبارة وحدّة النبرة. يحتاج إلى شواهد على وقوعها، وحجمها، وأثرها، ومكانها بين القضايا التي تشغل المجتمع فعلًا.

حين تُستخرج مسألة من كتب قديمة أو يُوضَع سيناريو خيالي، ثم تُعرض كأنها ظاهرة متنامية في القرية، تقفز الحجة فوق مسافات طويلة: من وجود الفكرة في النص، إلى وقوعها في الحياة، ثم إلى انتشارها واستحقاقها صافرة إنذار. كل خطوة من هذه الخطوات تحتاج إلى دليل مستقل. ولا يكفي أن يطول الكلام عن الذئب كي يصبح موجودًا عند باب الحظيرة.

قد ينشأ هنا وهم لطيف لصاحبه وثقيل على الآخرين: أن يرى المثقف نفسه وحده مستيقظًا، والناس جميعًا غافلين، فيصيح ثم يفسّر اعتراضهم على تضخيم القضية بأنه عقوبة المنذر الشجاع. وهكذا تصبح كل ملاحظة على حجته سكينًا موجهة إلى «الديك»، بدل أن تكون سؤالًا مشروعًا عن وجود «الذئب».

لا أدعو إلى إسكات المثقف، ولا إلى ترك الأفكار القديمة بلا فحص. بل أدعوه إلى إنصاف الواقع كما ينصف النص: أن يميّز بين احتمال نظري وحادثة فردية وظاهرة عامة، وأن يزن حجم الخطر قبل أن يرفع صوته باسمه. فالمجتمع يحتاج إلى من ينبهه حين يقترب الذئب حقًا، ويحتاج كذلك إلى ألا يُستنزف انتباهه في مطاردة ذئاب متخيلة.

كان ديك الحكاية شجاعًا لأنه رأى الذئب قبل أن يصيح. ومن أراد أن يستعير صورته، فليُرنا الذئب.

استشاري جراحة العظام والمفاصل الصناعية