آخر تحديث: 29 / 9 / 2026م - 1:09 ص

لماذا نستهين بكلمة الهدوء؟!

مصطفى صالح الزير


كان الغروب ينسحب بشفافية من خلف زجاج المقهى، وضوء المساء يتراجع بهدوء، والسماء تلبس ألوانها الأخيرة. كنا نجلس في ركننا المعتاد، والأصوات من حولنا تخف قليلًا، وكأن المساء يمنحنا مساحة جميلة للحديث والتأمل.

كان المكان هادئًا، لكنني كنت أفكر في شيء أكبر من هدوء المكان.

قلت لمحمد:

- أقول لك يا محمد يا حبيبي.. لماذا نشعر أحيانًا أن الإنسان عندما يهدأ يرى الأشياء بشكل مختلف؟ هل الهدوء فعلًا يجعلنا نبصر أكثر؟

ابتسم محمد وقال:

- يا سيدي علي، الهدوء لا يضيف إلى عينيك عينًا أخرى، لكنه يمنح قلبك فرصة ليرى ما كانت عيناك تراه دون أن تنتبه إليه.

قلت:

- يا سلام عليك يا غالي.. يعني المشكلة ليست دائمًا في الأشياء التي حولنا، وإنما في حالتنا ونحن ننظر إليها؟

قال:

- بالضبط يا بعد قلبي.

فالإنسان قد يعيش وسط الضجيج، ومع ذلك يكون هادئًا من الداخل، وقد يجلس في مكان لا يسمع فيه صوتًا، لكن داخله ممتلئ بالقلق والغضب والتفكير.

لذلك فالهدوء الحقيقي ليس مجرد غياب الأصوات، بل ألا يستوطن الضجيج قلبك.

قد تكون وسط الزحام، والأصوات من حولك كثيرة، والعمل لا يتوقف، ومع ذلك يبقى قلبك حاضرًا.

ترى الموقف، لكنك لا تستعجل.

تسمع الكلمة، لكنك لا ترد فورًا.

تشعر بالغضب، لكنك لا تسمح له أن يقودك.

وهنا يمنحك الهدوء شيئًا ثمينًا: مسافة بين الحدث وردة الفعل.

قلت:

- يا بعد قلبي.. هذه المسافة قد تغيّر أشياء كثيرة.

قال محمد:

- أكيد يا غالي.

قد تمنعك من كلمة تندم عليها، وتجعلك تفهم شخصًا بدل أن تحكم عليه، وتساعدك على رؤية مشكلة كنت تراها من زاوية واحدة.

فالهدوء ليس ضعفًا، ولا هروبًا من الحياة، ولا يعني أن الإنسان لا يشعر.

الإنسان الهادئ يشعر، لكنه لا يسمح لكل شعور أن يقوده.

يغضب، ثم يهدأ.

يتألم، ثم يفكر.

يسمع، ثم يتأنى.

ويرى، ثم يتأمل.

قلت:

- جميل يا محمد الورد.. لكن يبدو أن هناك شيئًا أعمق من الهدوء نفسه.

قال:

- نعم يا علي يا حبيب القلب.

هناك القلب.

لأن الهدوء إذا وصل إلى القلب، تحولت نظرتنا إلى الحياة.

وهنا تذكرت قول الله تعالى:

﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: 46].

قلت:

- ما أعظمها يا محمد يا غالي! الآية وكأنها تنقلنا من العين إلى القلب.

قال:

- نعم يا وردة.

تأمل آخرها:

﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: 46].

فالإنسان الذي يفقد بصره لا يفقد بالضرورة بصيرته.

كم من إنسان لا يرى بعينه، لكنه يرى بقلبه ما لا يراه كثير من المبصرين.

وكم من إنسان يرى كل شيء أمامه، لكنه لا يرى الحقيقة.

فقد ترى العين الشيء، لكن القلب لا يفهم معناه، وقد تسمع الأذن الكلمة، لكن القلب لا يلتقط رسالتها.

قلت:

- الله عليك يا محمد يا نور عيني.. كأن البصيرة هي أن ترى المعنى، لا مجرد الشيء.

قال:

- بالضبط يا حبيبي.

ولهذا يقول الله تعالى:

﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: 179].

لاحظ بهدوء وركز ياحبيبي علي:

القرآن نسب الفقه إلى القلب وليس العقل.

فالإنسان قد يرى، لكنه لا يبصر.

وقد يسمع، لكنه لا يستمع.

وقد يعرف المعلومة، لكنه لا يفقه معناها.

وهنا نتذكر ما ورد عن رسول الله ﷺ:

«شرُّ العمى عمى القلب، وأعمى العمى عمى القلب».

قلت:

- يا محمد يا حبيب القلب.. هذه العبارة مؤثرة جدًا.

قال:

- لأنها تضع يدها على أصل المشكلة.

ليس أصعب العمى أن تفقد العين قدرتها على الرؤية، وإنما أن يفقد القلب قدرته على رؤية الحق.

ولهذا ورد أيضًا عن رسول الله ﷺ:

«إذا أراد الله بعبد خيرًا فتح عين قلبه، فيشاهد بها ما كان غائبًا عنه».

قلت:

- يا سلام عليك يا غالي.

قال:

- نعم حبيبي علي.

كأن في الإنسان عينًا أخرى؛ عينًا لا ترى الأشكال والألوان، وإنما ترى المعنى.

قد تكون النصيحة أمامك سنوات، لكنك لا تفهمها إلا عندما يصبح قلبك مستعدًا لها.

وقد تكون النعمة حولك كل يوم، لكنك لا تعرف قيمتها إلا عندما تفتح لها عين قلبك.

وقد يمر بك موقف بسيط، ثم تكتشف بعد فترة أنه كان يحمل لك درسًا كبيرًا.

هذه هي البصيرة.

قلت:

- لكن يا محمد، هنا يأتي سؤال مهم: كيف يقول القرآن إن القلب الذي في الصدر يفقه ويدرك، ونحن نعرف أن القلب من الناحية الطبية عضو يضخ الدم؟

ابتسم محمد وقال:

- سؤال جميل يا علي يا بعد قلبي.

الطب يتحدث عن القلب بوصفه عضوًا عضليًا مهمًا، ووظيفته الأساسية ضخ الدم.

أما القرآن، حين يتحدث عن القلب، فيستخدم مفهومًا أوسع يتعلق بباطن الإنسان وداخله وتوجهه واستجابته للحق والهداية.

ولهذا لا ينبغي أن نفهم الآية وكأنها تصف وظائف القلب التشريحية، بل تتحدث عن الإنسان في عمقه الداخلي.

وقد أشار بعض المفسرين إلى أن من معاني القلب جانب الإدراك والعقل، وأن الصدر يشير إلى ذات الإنسان وداخله.

ومن جهة أخرى، نعرف من حياتنا أن الخوف والفرح والحزن والانفعال تظهر آثارها على القلب والجسد؛ فقد يتسارع النبض، ويتغير التنفس، ويشعر الإنسان بتأثير مشاعره في جسده.

لكن هذا لا يعني أن القلب العضوي يقوم بوظائف التفكير التي يصفها الطب للدماغ.

إنما المقصود أن القلب في الخطاب القرآني أوسع من العضو التشريحي.

قلت:

- الآن اتضحت الصورة يا محمد يا حبيبي.

قال:

- والأجمل أن الآية نفسها تفتح لنا بابًا آخر ركز فيها مرة أخرى ياحبيبي.

قال تعالى:

﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: 46].

تأمل يا علي:

هناك طريقان مهمان للوصول إلى الحقيقة.

أن يتفاعل الإنسان مع ما يراه ويعيشه، ويتأمل بنفسه، ويسأل، ويفكر حتى يصل إلى المعنى.

أو أن يسمع ممن ينصحه ويهديه، فينتفع بخبرة من سبقه.

فليس كل شيء يحتاج أن تجربه بنفسك.

أحيانًا تتعلم من تجربة غيرك، وأحيانًا تنقذك كلمة من شخص يحبك، وتكون النصيحة التي تسمعها بابًا إلى شيء لم تكن تستطيع الوصول إليه وحدك.

قلت:

- الله عليك يا محمد يا نور العين؛

يعني الإنسان يحتاج إلى قلب حاضر حتى ينتفع بما يرى ويسمع.

قال:

- نعم حبيبي علي.

وهنا نعود إلى الهدوء.

لأن القلب المزدحم يصعب عليه أن يرى بوضوح.

القلب الممتلئ بالحقد والحسد وسوء الظن والقلق قد يرى الأشياء، لكنه يراها من خلال ما يحمله داخله.

أما القلب الهادئ والصافي، فيرى الصورة بشكل أوسع.

قلت:

- إذن تنظيف القلب جزء من صناعة الهدوء؟

قال:

- بالتأكيد يا حبيبي.

نحن ننظف بيوتنا باستمرار، ونرتب ثيابنا، ونهتم بأجسادنا، لكن القلب يحتاج إلى عناية أيضًا.

نخفف منه الحقد، ونترك الحسد، ونحسن الظن، ونسامح، ونستغفر، ونذكر الله.

ولهذا يقول الله تعالى:

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].

حين يطمئن القلب بذكر الله، يصبح الإنسان أهدأ في نظرته إلى الحياة.

يرى النعمة التي اعتاد عليها، وينتبه للكلمة الطيبة، ويتعلم من المواقف، ويستطيع أن يرى الحكمة التي كانت تضيع منه وسط الانفعال والسرعة.

قلت:

- سبحان الله يا محمد يا غالي.. كأن الهدوء لا يجعلنا نرى أشياء جديدة، بل يجعلنا ننتبه إلى أشياء كانت أمامنا طوال الوقت.

ابتسم وقال:

- وهذا هو جمال البصيرة حبيبي علي.

قد تكون الحقيقة أمامك، لكنك تحتاج إلى قلب هادئ حتى تراها.

وقد تكون النصيحة في أذنك، لكنك تحتاج إلى قلب حاضر حتى تسمعها.

وقد يكون الدرس في موقف عابر، لكنك تحتاج إلى هدوء حتى تفقهه.

سكتنا قليلًا.

كانت أضواء المساء قد بدأت تملأ المكان، والناس يتحركون من حولنا، لكنني شعرت أن شيئًا في داخلي أصبح أكثر هدوءًا.

قلت:

- يبدو أننا نستهين بالهدوء يا محمد يا بعد قلبي، لأننا نظنه مجرد صمت.

قال:

- نعم يا علي.

الهدوء ليس غياب الأصوات، بل حضور القلب.

أن تكون وسط الناس ولا تضيع، وأن تسمع الضجيج ولا تسمح له بأن يسكن داخلك، وأن ترى المواقف ولا تستعجل الحكم عليها، وأن تمنح قلبك فرصة ليفهم قبل أن يقرر.

ثم ابتسم وقال:

- وحين يصفو القلب يا حبيبي، يبدأ الإنسان في رؤية الحياة بشكل مختلف.

العين ترى..

والأذن تسمع..

لكن القلب إذا صفا، أبصر.

خرجنا من المقهى إلى هواء المساء العليل، وكانت أصوات الشارع من حولنا ما تزال حاضرة.

لكنني هذه المرة لم أعد أفكر في الضجيج.

كنت أفكر في القلب؛ ذلك القلب الذي يحتاج إلى هدوء حتى يرى، وإلى ذكر الله عز وجل حتى يطمئن، وإلى صفاء حتى يفقه.

وربما لا نحتاج دائمًا إلى أن نبتعد عن الحياة حتى نهدأ، ولا إلى أن يصمت العالم حتى نسمع.

نحتاج فقط أن نصنع في داخلنا مساحة هادئة؛ مساحة نرى فيها بوضوح، ونسمع بوعي، ونفقه المعنى، ونقترب فيها من الله سبحانه.

فليس كل من فقد بصره أعمى، وليس كل من فتح عينيه مبصرًا.

قد ترى العين، لكن القلب هو الذي يبصر المعنى.

وقد تسمع الأذن، لكن القلب هو الذي يفقه.

ولهذا ربما كان أجمل ما نتعلمه من الهدوء:

ألا نبحث دائمًا عن مكان أقل ضجيجًا، بل عن قلب أقل ازدحامًا.

فحين يهدأ القلب، تبدأ البصيرة.

وحين يصفو القلب، نرى ما كان أمامنا طوال الوقت، ونعيش هذه الحياة بكل ظروفها المادية والمعنوية بصورة أجمل وطعم أحلى من العسل، والحمد لله رب العالمين.