هل طفلك يخاف؟

الخوف لدى الطفل ظاهرة طبيعية معتادة، إنه أول لغة فطرية يكتسبها قبل أن يتعلم الحروف. نستطيع أن نقول عن الخوف إنه جرس وإنذار نبيل، يهدف إلى إبقاء الجسد وطمأنة الروح. فمثلًا، حين تتسع عينا طفلك الصغيرتين عند باب الروضة، وتتجمد حركته، لا ليقول شيئًا، بل ليهمس لك بصوت الروح والقلب: ”لا تتركوني وحدي“، نعتاد نحن المعلمين على مشاهدة تعلق طفل بأمه وأبيه على باب المدرسة في مراحله الأولى، ويمتد هذا الخوف عندما تشتعل السماء بالرعود والبروق والصواعق، فتراه ترتجف أطرافه وكأنه يسأل بقلب مضطرب: ”هل أنا بأمان؟“.
في ركن من غرفتي، جلست ابنتي الصغيرة تحكي لي عن ”العُوّة“ والعُوّة مصطلح ابتكاري من اختراع ابنتي لتدلل به على مخلوق اختلقه خيالها وصدقته عاطفتها. لم تكن تنام إلا في أحضان أمها. لم يكن ذلك مجرد ”وهم طفولي“ بل نداء خفي يبحث عن حضن. تفكرت ما سبب خلق هذا التصور لديها، فأدركت على الفور أنه تصادف مع مشاهدتنا لفيلم وثائقي يتحدث عن عالم الأسود الضارية. فعلى كل أب وأم تخير المشاهدات بدقة، فرب برنامج وديع لديك يسبب حالة نفسية مستدامة لدى طفلك. إنّ الخوف عند الأطفال ليس عرضًا عابرًا، بل هو رسالة مبكرة تستحق أن تُفهم، فلا تسكت عن أي ظاهرة يمر بها الطفل. لتعرف الجذور التي كونتها ولتحذر مما قد يفاقم مشكلات أطفالك.
الخوف يتسلل إلى عالم طفلك في صور متباينة، بعضها واضح، وبعضها خفي:
1/ مخاوف حسية واقعية
قد ترى هذه المخاوف في دمعة عينيه أمام باب الروضة. أو رعشة يديه في قاعة امتحان. أو في رهبته من أشكال الغرباء أو في ملامح رجل مشوه أو امرأة عجوز متجعدة الوجه محدودبة الظهر. قد ترى خوفه واضطرابه وقلقه من الظواهر الطبيعية مثل: الرعد والبرق والمطر الغزير. فيتخيل أن البرق سيخطفه أو أنّ السماء ستخر فوق رأسه.
2/ مخاوف الوهم والخيال
دماغ الطفل متفرد بالخيال، فتراه يصنع من قوة خياله مخلوقات غريبة لا وجود لها مثل ”العُوّة“ و”البعبع“. أو قد يقع فريسة مصطلحات التخويف الشعبية التي صنعها كبار السن مثل: ”أم السعف والليف“، وسواها. أحيانًا يقع الطفل رهين رهبة الظلام، أو يتخيل أن تحت السرير رجل مخيف يريد أن ينقض عليه، أو يهجم عليه من النافذة. أو قد تراه يضطرب كلما شاهد السكاكين أو الأدوات المنزلية الحادة، وقد يتنمر عليه البعض ويضاعف من توتره حين يعلمون بنقاط ضعفه. فمثلًا: يهددونه بالشوكة إن كان يخاف منها وهكذا سائر الأدوات المخيفة. إن خوف طفلك يعتبر رسالة تحذيرية، فهل ستظل مكتوف الأيدي أم تبادر بتدخلٍ سليم؟ إنّ هذه الأمور تعتبر بوابات يجب علينا أن ندرك أنها تمثل للطفل محطة خطر، فكيف لا تتدخل وأنت مصدر الأمان بالنسبة له.
إنّ الخوف لا يظل ساكنًا، بل يتكلم بلغة الجسد والسلوك، فترى الطفل ترتعش يداه، ويتسارع نبض قلبه، وترى في ملامحه تأثر واضح، بكاء، صراخ، وتشبث شديد بالوالدين، وفي بعض الأحيان كوابيس ليلية أو تبول لا إرادي، وربما تراه يتجنب مواقف بعينها، وكأنها بوابة رعب، هنا وفي هذه اللحظات، لا يحتاج الطفل إلى تعنيف. بل إلى حضن وآذان صاغية تستمع لهمساته وتنهداته قبل أن تصغي لكلماته.
إنّ الخوف لا ينبت من فراغ، بل من تربة خصبة، هنا ترى خيال الطفل المجنح يعمل بإسهاب، الطفل لا يميز بين الحقيقة والوهم، فيرى الظل مخلوقًا، والصوت خطرًا، والأحلام واقعًا يهدد بالانتقام. فإذا وجد أهله في خوف وذعر، انتقل هذا الخوف إليه دون وعي، كنظرة الأم القلقة حين تبرق العاصفة أو حين يرتبك الأب في موقف ما. علينا نحن الآباء والمربين تجنب التربية بالترهيب قدر الإمكان، فاستخدامنا لعبارات التخويف كوسيلة ضبط، يزرع في نفوس الأطفال رعبًا مستدامًا، قد لا ينفك من عقله. وعلينا أن نعي جيدًا أنّ غياب الحضن المطمئن، أو التعرض لموقف صادم، لا يخلق خوفًا مؤقتًا فحسب، بل قد يغرس بذور قلق مزمن تتسع دوائره مع الزمن إن تُرك دون احتواء.
هل الخوف كله شر؟ ليس الخوف شرًا دائمًا، فبعضه حارس نافع لأطفالنا، وبعضه سجان خانق، يدمر حياتهم. الخوف الطبيعي النافع، هو ذلك الخوف المؤقت، والذي يتناسب مع الموقف، هذا الخوف يحمي الطفل من الخطر، مثل اقترابه من الكهرباء أو عند دنوه من الطريق السريع المزدحم بالسيارات المنطلقة. أما الخوف المرضي والضار، فهو الخوف المفرط، المستمر، غير المبرر. وهو ما يخلّف في أعماق أطفالنا: ضعف الثقة بالنفس. والانسحاب الاجتماعي، والتراجع الدراسي والسلوكي، واضطراب النوم المزمن. إنّ الطفل الذي يُترك لخوفه، يكبر وهو يتقن فن الاختباء إن جاز التعبير ولا يجرؤ على المواجهة.
في البداية علينا نحن الآباء أن لا نسخر من خوفه، ولا نبالغ فيه. علينا أن نكون الضوء الذي يبدد الظلام والعتمة. احتضن خوفه، وقل له بهمس المربي الحاني: ”أنا أفهمك، وأنا معك“. لا تجعل الرعب وسيلة تربية. وعليك أن تضع له جدول علاج تدريجي واصنع له بيئة آمنة. ثم عليك بتصحيح هذا الخيال، قل له بهدوء عن كل ما يريعه: ”العُوّة“، والرجل الذي تحت السرير، والملثم الذي سيهجم من النافذة. بيّن له الفرق بين الخرافة والحقيقة، بين الواقع والخيال. اجعله يمارس تكنيك التهدئة الجسدية، اجعله يتنفس بعمق واسترخاء. كن له القدوة الهادئة، واجعله يرى فيك الطمأنينة التي يتكئ عليها. ثم اطلب المساعدة واستشر المختص النفسي عند الحاجة.
الطفل لا يحتاج إلى عالم خالٍ من الخوف، فهذا مستحيل، كل ما يحتاجه منك يد حانية تمسك بيده حين يواجهه الهلع، أن نوفر له بيئة آمنة، وقلبًا يستوعب قبل أن يعلّم، حينها يتحول الخوف من شبح خانق إلى مصباح يضيء ويرشد. اخلق له وعيًا، فهذا الوعي لا يُنبت له الشجاعة فقط، بل يزرع في أعماقه الطمأنينة في الجذور. وعليك أن تعلم أنّ الخوف رسالة، والاحتواء هو الجواب عليها. في الختام نقول: إنّ الخوف الطبيعي يُربّي الحذر، بينما الخوف الضار يُربّي في أبنائنا الذعر والهلع. وبين هذا الحذر والخوف المرضي. تقف علينا مسؤولية التربية الواعية.












