آخر تحديث: 29 / 9 / 2026م - 1:09 ص

المداراة والمداهنة

المهندس أمير الصالح *


«أمرني ربي بالمداراة مثلما أمرني بالصلاة»؛ حديث نبوي اختُلف في درجة قوته ونسبته إلى الأحاديث النبوية الشريفة، إلا أن مضمونه يدعو إلى تربية النفس على مراعاة مشاعر الآخرين. مفهوم الحديث لا يخلو من عمق تربوي وتهذيب جميل للسلوك الإنساني، ازدادت الحاجة إليه مع تمادي سوء توظيف منصات التواصل الاجتماعي من قبل عدد ليس بالقليل من أبناء المجتمع الشرقي المحافظ.

تداخل مفاهيم: المداراة والمداهنة

يخلط البعض مفهوم المداراة مع مفهوم المداهنة؛ لأن كليهما يبدو متشابهًا في الظاهر، لأنهما يتعلقان بالتعامل اللين مع الآخرين، لكنهما مختلفان تمامًا في النية والتوجهات والأثر الاجتماعي والأخلاقي والنفسي والاجتماعي والاقتصادي والديني.

المداراة تتميز بأنها بذل الدنيا لصيانة الدين أو صيانة العِرض أو حفظ الكرامة أو تفادي أهل الشر عبر ملاطفة الجاهل أو الفاسق أو الشرير لتأليفه ورده إلى الحق أو دفع الشر أو تفادي الضرر. وهي أمر عقلائي ويُعد من مكارم الأخلاق.

«المداراة» باختصار هي ملاطفة الناس وتجنب أذاهم أو إيذائهم، وتجنب جرح مشاعرهم، وحسن التعامل معهم والتودد لهم لدفع شرهم أو تأليف قلوبهم. المداراة أمر أخلاقي وحضاري ناهض ومطلوب في حدود معينة، دون تضييع قيم الكرامة أو الدين، ودون مداهنة أحد على الحق.

المداهنة: هي بذل الدين والكرامة والقيم في مجالس الفساق والفجار والأجلاف وأهل اللؤم لجلب مكاسب دنيوية مادية أو صيانتها، عبر مجالسة ومصانعة ومجاملة الفاسق أو الظالم أو الغشاش أو الفاجر، والموافقة على باطله وفسقه وخزعبلاته وفناتقه واستهتاره وظلمه وتطاوله. قد يكون الدافع للمداهنة من قبل المداهن المصلحة الشخصية باستخدام آلية النفاق، لنيل الجاه أو المال أو المكانة أو التقرب من أصحاب السطوة، أو قد يكون الخوف الجبان من قول الحق مع كامل القدرة على قوله. وطبيعة سلوك المداهن هي استئناسه بالمنكر والرضا بالمعصية واحتفاؤه بأهل الفجور وإن ادعى خلاف ذلك وتلون. وكل تلكم الأمور هي من صفات المنافقين وإن تلونوا أو برروا.

كم مداهنًا وكم مداريًا يعيشون حولك

لا تحتاج إلى الكثير من الجهد، فإن واقع العالم الرقمي في المنصات الاجتماعية مثل تيك توك وسناب شات وإنستغرام أضحى يضج بما تخفيه بعض الأقنعة؛ وكل ما عليك هو إجراء دراسة بسيطة في تحليل تلكم الشخصيات من خلال ما نشرته وتنشره على مدى زمني، لتستخلص المشاهد وتضع جداول الإحصاء.

في عصر العالم الرقمي، حيث يضج بأنواع مختلفة من الأرستقراطيين الباحثين عن الشهرة؛ تجد أطيافًا متنوعة من الأرستقراطيين، إلا أن الأكثر حضورًا هم أرستقراطيو أصحاب المال، وأرستقراطيو أصحاب النسب، وأرستقراطيو أصحاب الفكر.

ولذا نهمس في أذن من أعطاهم الله بعض المال أو قوة النسب، بألا يتباهوا كثيرًا ويتفاخروا على الملأ، سواء عند الحديث في المجالس مع الآخرين عن حسبهم ونسبهم، أو مالهم وثروتهم وأملاكهم، أو عبر نشرهم ليوميات موائدهم العامرة أو سفراتهم المتعددة وسياراتهم الفارهة في تطبيقات التواصل الاجتماعي كسناب شات وتيك توك. فالأموال والثروات والممتلكات والنسب والحسب هي رزق من الله لهم، وليكثروا من حمد الله عليها كي لا تزول. فإن أرادوا أن يبرزوا بحق وحقيقة، فليطرحوا مشاريعهم الفكرية وخرائط الطريق لبناء المجد لمجتمعهم بين الأمم. والفكر يحتاج إلى وقت طويل لبنائه، إلا أنه هو أكبر مغنم وأدوم عز للإنسان.