ما أَغربَنا حين نُحبّ...

يوم أن اختاركِ قلبي،
لم أبحث عن قربٍ يحاصركِ،
بل عن حبٍّ يتّسع لنا،
نطمئن فيه إلى بعضنا
دون خوفٍ، ودون قيد،
ودون أن نخسر أنفسنا في الحب.
أريد أن أحبكِ
دون أن أضيّق عليكِ باسم الغيرة،
وأن أخاف عليكِ
دون أن أحوّل خوفي إلى قيد،
وأن أعاتبكِ
دون أن أجعل العتاب محكمة،
وأن أغضب منكِ
دون أن أستدعي أخطاء السنوات
لأنتصر في معركة صغيرة.
فالحب ليس أن أكون ظلَّكِ،
بل أن أعرف متى أترك بيننا
مساحةً يتنفس فيها قلبكِ.
لقد كبرنا بما يكفي
لنعرف أن بعض الصمت ليس جفاءً،
وأن الكلمات ليست دخانًا يختفي بعد الحريق؛
بعضها يبقى في القلب
كأثر مسمارٍ في بابٍ قديم.
لهذا، حين نختلف،
أريد أن أبقى أنا،
وتبقين أنتِ.
لا أريد أن يصبح الاعتذار هزيمة،
ولا التراجع عن الخطأ نقصًا،
ولا أن نعدّ من بادر بالصلح
كأنه خسر شيئًا من كبريائه.
ما أغربنا حين نحب…
نحاول أن نثبت أننا على حق،
حتى ننسى أن أمامنا
قلبًا كنا بالأمس
نخاف عليه من كل شيء.
أنا لا أريدكِ كاملة،
ولا أريد أن أكون كذلك،
أريد إنسانةً تخطئ وتعتذر،
تغضب ثم تهدأ،
وتقول: تعبت،
بدل أن تترك الآخر
يخترع ألف سبب للغياب.
وأريد أن أكون رجلًا،
أخطئ فلا أختبئ خلف كبريائي،
وأغضب فلا أنتقم،
وأعاتب فلا أهين،
وإذا اختلفتُ، لا أنسى
أنني كنت بالأمس
أضع قلبي بين يدي الشخص نفسه.
فالحب يظهر
حين تكون غاضبًا وتختار ألا تظلم،
وحين تكون مجروحًا وتختار ألا تجرح،
وحين تستطيع أن تردّ الألم
ثم تقول:
لا… لا أريد أن أصبح
نسخةً من الشيء الذي آذاني.
وأحيانًا لا ينتهي الحب،
لكن الطريق يتعب
من حمل خطوتين لا تمشيان
في الاتجاه نفسه.
فإن افترقنا،
لن أكرهكِ لأنكِ رحلتِ،
ولن أكره نفسي لأنني أحببتكِ.
لن أحوّل ذكرياتنا إلى ملفات اتهام،
بل سأترك لكِ من قلبي دعاءً
لا تعرفين عنه شيئًا،
وأترك لنفسي من الصمت
ما يكفي لأتعلم كيف أعيش دونكِ.
لن أقول: سأنتظركِ إلى الأبد،
فالأبد أكبر من قلبٍ متعب،
ولن أقول: سأنساكِ غدًا،
فالنسيان ليس زرًا نضغطه حين نتعب.
سأقول فقط:
كان بيننا شيء جميل،
وحين عجزنا عن إكماله،
حاولنا ألا نقتله.
فالارتقاء في الحب
أن تعرف متى تتمسك،
ومتى تتراجع،
ومتى تعتذر،
ومتى تصمت،
ومتى يكون الرحيل
أرحم من البقاء.
أن ينتهي الطريق
ولا تتحول إلى عدوٍّ
لمن كان يومًا أقرب الناس إلى قلبك.
هذا هو الحب الذي أريده:
حبًّا إذا اشتعل أضاء،
وإذا غضب لم يحرق،
وإذا انكسر لم يتحول إلى سكين،
وإذا انتهى
ترك في القلب شيئًا يستحق أن يُحفظ.
فربما ليست أجمل النهايات
أن نبقى معًا،
بل أن نفترق
وأظل قادرًا، رغم كل شيء، أن أقول:
لقد أحببتكِ بصدق،
وحين عجزنا عن الاستمرار
رحلتُ عنكِ دون أن أكرهكِ.
وهذا يكفيني…
لأنني لا أريد أن أخرج من الحب
منتصرًا عليكِ.
أريد أن أخرج منه
وأنا ما زلت إنسانًا.












