آخر تحديث: 28 / 9 / 2026م - 12:43 ص

الاقتصاد السعودي واختبار طبقات المرونة الأربع

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة مال

لا ضمانة أن الصدمات لن تحدث، ولذا فالدول لا تملك إلا أن تعزز قدرتها على امتصاص الصدمات عند حدوثها بالاستعداد المنهجي. وليس من شك أن العام 2026 مثل صدمة غيرت المشهد كثيراً، فكيف كان التغيير؟ وكيف كان التعامل؟ وكيف كان الاستعداد؟

بنهاية عام 2025 كان المشهد الاقتصادي أفضل مما بدا في بدايته؛ فقد سجل الناتج المحلي الحقيقي نمواً بنسبة 4.5 بالمائة وفق الهيئة العامة للإحصاء، بعد أن سجل 2.6 بالمائة في 2024، مدفوعاً بعودة النشاط النفطي إلى النمو بنسبة 5.7 بالمائة واستمرار الأنشطة غير النفطية بنسبة 4.9 بالمائة، مساهمة بنحو 2.8 نقطة مئوية من إجمالي النمو. وبلغت قيمة الناتج بالأسعار الجارية نحو 4.79 تريليون ريال، واستقر التضخم قرب 2 في المئة. أما المالية العامة فقد حملت كلفة هذا الزخم: إيرادات قدرت بنحو 1,091 مليار ريال، ونفقات بنحو 1,336 مليار ريال، وعجز قارب 245 مليار ريال أو 5.3 بالمائة من الناتج، مع دين عام بلغ نحو 1,457 مليار ريال أي 31.7 بالمائة من الناتج، وكان العجز تعبيراً عن إنفاق توسعي اختياري لاستبقاء مشاريع الرؤية، لا عن قصور في القدرة التمويلية.

ثم اختلف المشهد نتيجة لتخرصات جيو - اقتصادية إقليمية. فقد صدر بيان ميزانية 2026 في أواخر 2025 بتطلعات مختلفة عن المسار الذي تكشّف لاحقاً، فقد افترضت السلطات المالية نمواً حقيقياً بنسبة 4.6 بالمائة، وإيرادات بـ 1,147 مليار ريال، ونفقات بـ 1,313 مليار ريال، وعجزاً ينخفض إلى 165 مليار ريال أو 3.3 في المئة من الناتج، وديناً عند 1,622 مليار ريال أي 32.7 في المئة، مع الإبقاء على احتياطيات حكومية لدى البنك المركزي السعودي في حدود 390 مليار ريال، وانحسار تدريجي للعجز في 2027 و 2028. تلك الأرقام كانت سيناريو أساس قبل أن تتداخل المخاطر الإقليمية في مسارات الطاقة والملاحة نتيجة لحرب أخذت تتسع.

ومع توالي أشهر 2026 تغيّر إطار التوقعات لا إطار الأسس، فالسياسة المالية أبقت الإنفاق التنموي داعماً للطلب، والسياسة النقدية المرتبطة برباط الريال حفظت التضخم منخفضاً، فيما وفّرت الاحتياطيات وانخفاض الدين وصندوق الاستثمارات العامة هامش امتصاص. غير أن اضطراب الملاحة وتراجع النشاط النفطي في النصف الأول دفعا المؤسسات الدولية إلى إعادة التقدير. ففي يوليو 2026 خفّض صندوق النقد الدولي نمو العام الجاري «2026» إلى 1.7 بالمائة، بعد 3.1 بالمائة في أبريل، ورفع تقدير 2027 إلى 5.5 في المئة بعد 4.5 في المئة، مع نمو غير نفطي عند 2.6 ثم 4.5 بالمائة، ثم جاء التقرير المرحلي لمنظمة التعاون الاقتصادي والتمية «OECD» في 23 سبتمبر أكثر تحفظاً على المدى القريب: انكماش بنسبة 1.8 بالمائة في 2026، ونمو بنسبة 4.1 بالمائة في 2027، مع تضخم عند 1.8 بالمائة ثم 2.1 بالمائة، ويمكن بيان أن الفارق بين التقديرين يعكس لحظة القياس وفرضية عودة الأنشطة لطبيعتها، لا خلافاً على أن الارتداد مؤجل إلى 2027 إذا استقرت الممرات.

أما القطاع الخارجي فقد سار على التسلسل نفسه، ففي 2025 سجّل الحساب الجاري عجزاً بنحو 2.6 بالمائة من الناتج مع تراجع عوائد النفط وارتفاع واردات الاستثمار والاستهلاك. ثم أظهرت بيانات ساما للربع الأول من 2026 تحولاً إلى فائض بنحو 15.4 مليار ريال، مدفوعاً بفائض سلعي بلغ 113.1 مليار ريال بعد ارتفاع الصادرات 10.7 بالمائة وتراجع طفيف في الواردات. وعلى أساس العام كاملاً يتوقع الصندوق أن يضيق العجز إلى نحو 0.3 في المئة من الناتج في 2026 ثم يتسع قليلاً إلى 0.8 في المئة في 2027 مع عودة الواردات. وفي حال امتد الاضطراب حتى نهاية هذا العام، تبقى قدرة التكييف قائمة على فائض سلعي قابل للتقلص دون الانهيار إن عوض السعر جزءاً من تراجع الكمية، وعلى احتياطيات ناهزت 487 مليار دولار في أغسطس وصافي أصول أجنبية يقدّره الصندوق قرب 464 مليار دولار، وعلى دين ما يزال في حدود ثلث الناتج مع ودائع حكومية تشكّل هامش سيولة. وهكذا، فتمويل أي فجوة إضافية يظل ممكناً عبر الاحتياطيات والأسواق دون تهديد فوري لرباط الريال، شريطة ضبط الواردات غير الضرورية والإبقاء على الإنفاق الأعلى عائداً.

بذلك تستقيم الرواية زمنياً: 2025 سنة نمو متحقق وعجز أوسع لتمويل التحول؛ وبداية 2026 سنة تطلعات رسمية مرتفعة؛ ومنتصف العام إلى أواخره سنة مراجعة للتوقعات تحت ضغط جيواقتصادي خارج عن المعتاد؛ و 2027، في تقدير الصندوق ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، سنة استعادة الزخم إذا استقرت الممرات والأسواق. المرونة ليست في ثبات الأرقام الأولى، بل في بقاء الهوامش المالية والنقدية والخارجية كافية لإعادة ضبط المسار دون الخروج عن إطار الاستقرار الكلي.

وتظهر هذه المرونة بوضوح أكبر حين تُقرأ المخاطر الأمنية، بما فيها الاعتداءات الحوثية على أهداف مدنية ومنشآت مرتبطة بسلاسل الطاقة والنقل، بوصفها صدمات تشغيلية لا صدمات وجودية للمالية العامة، فالاقتصاد يملك أربع طبقات تعزز مرونته وقدرته على التكييف مع التحديات والاهتزازات: 1. طبقة أولى من الحماية في تنوع منافذ التصدير وتعدد مسارات الإمداد، 2. طبقة ثانية في الاحتياطيات الخارجية والودائع الحكومية والقدرة على الولوج إلى أسواق الدين بتكلفة لا تزال متسقة مع التصنيف الائتماني، 3. طبقة ثالثة في سياسة مالية قادرة على إعادة ترتيب أولوية الإنفاق دون التراجع عن الالتزامات الاجتماعية الأساسية، 4. أن السعودية تنفق إنفاقاً استراتيجياً ضمن متطلبات رؤية 2030 لتعزيز قدراتها اللوجستية بما يضيف مرونة إضافية لما هو عليه الوضع الآن، والمبادرات في هذا السياق تتناولها تفصيلاً الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية. وما يساند هذا التأطير انه في تقييم صندوق النقد، ظل المركز الخارجي والمالي قادراً على امتصاص الاضطراب بفضل انخفاض الدين وتنوع البنية التحتية للطاقة والخدمات اللوجستية وفعالية إدارة الأزمات. معنى ذلك أن استمرار التهديدات يرفع كلفة التأمين والشحن ويضغط على التوقعات قصيرة الأجل، لكنه لا يلغي هامش التصدي ما دامت الاحتياطيات وافرة والدين منضبطاً والإيرادات غير النفطية تواصل دعم الميزانية. المرونة هنا ليست إنكاراً للخطر، بل قدرة محسوبة على تحمّله وإعادة توزيع كلفته عبر الزمن دون تفكيك مسار الاستقرار والنمو.

كاتب ومستشار اقتصادي، رئيس مركز جواثا الاستشاري لتطوير الأعمال، عضو سابق في مجلس الشورى