آخر تحديث: 26 / 9 / 2026م - 8:50 م

«الأستاذ» في العمارة القطيفية.. العقل المعماري والمدبّر للبناء

إسماعيل هجلس *


حضور «الأستاذ» في الذاكرة الاجتماعية

في كثير من حواراتنا وسوالفنا بين الأهل والأصدقاء والمهتمين، وفي المجلس والديوانية، يتكرر الحديث عن أهم عنصر في عملية البناء، وهو «الأستاذ»، وأحيانًا يتحول النقاش إلى جدال حول أهميته ودوره ومكانته.

لنتعرف عليه! من هو الأستاذ؟

”مو المعلم في المدرسة ولا اللي في الجامعة!“

«الأستاذ» هو لقب قديم ومصطلح يحمل في طيّاته دلالات أعمق من مجرد مزاولة المهنة أو الإتقان، إذ يجمع بين الاحترام الاجتماعي والمكانة المعنوية! الأستاذ هو «المخطط والمقاول والمشرف والحسابات»، وهو كبير البنّائين والمسؤول الأول عن مراحل التخطيط والبناء والإشراف عليها، وهي مرتبة مهنية يصل إليها صاحب حرفة البناء بعد جهد وسنوات طويلة من العمل والممارسة والخبرة، ويُعرف بجودة عمله وإتقانه وقوته في المهنة ومهارته وحسن تدبيره وسمعته الطيبة، أي كما في كلامنا الدارج: «معلم وشاطر في شغلته».

يبدأ قبل أن يبدأ البناء

لم يكن عمل الأستاذ يبدأ مع أول حجر، بل من الاحتمالات والتقدير، ينظر إلى موقع المبنى ومساحته، وعلاقته بالضوء، وحركة الرياح، والجيران، ويستمع إلى رغبة وحاجة صاحب البيت، ويحاول أن يعرف احتياجاته ومكانته الاجتماعية ومستواه الاقتصادي، حتى يستطيع أن يحدد توزيع واتجاه ومستوى البناء والمواد المناسبة له، فقدرة المالك المالية وتوفير الأخشاب والحجر والجص وغيرها من المواد تؤثر في توزيع وطبيعة وشكل المبنى، كما أن اختيار الحرفيين وهو الجزء الأساسي من مسؤولية الأستاذ، فهو يعرف البنّائين والعامل المتقن، والنقّاش «المزخرف» المتمكن، والنجار الماهر، والحجار القوي، والجصّاص المتميز، والحمّالي الأمين، ويعرف كيف يوزع بينهم المهام والعمل.

المبنى في ذهن الأستاذ

من الأمور اللافتة أن كثيرًا من التخطيط في العمارة التقليدية بواحة القطيف، كان يتم شفهيًا أو ذهنيًا، اعتمادًا على خبرة الأستاذ وتراكم معرفته، فهو يستطيع أن يتصور توزيع الفراغات «المساحات»، ومواقع الغرف والأبواب والدرايش والرواشن والفتحات، والأعمدة، وما يحتاج إليه البيت من خدمات «مجلس ودار وسدة وچندود وأدب ومسبح»، ثم يناقش التصور الأولي مع صاحب المبنى ويطوره حسب الحاجة، حتى يصلا إلى نتيجة يتفقان عليها.

مطعم تراثي بالزور.. تجربة شخصية لأول تصميم وتجهيز لمطعم

وهنا أتذكر تجربة شخصية لي في متابعة وتنفيذ أحد المشاريع، مع إعطائي كامل الصلاحيات من إدارة المطعم، اعتمدت فيها على التصور الذهني دون مخطط تفصيلي مسبق، وكانت لكل مرحلة تعليماتها وخطواتها وأوامرها وعمالها وموادها، وكانت النتيجة بالنسبة لي ناجحة، وبحسب آراء إدارة المطعم ومن حولي ممتازة، فكيف بالأستاذ قديمًا، الذي أمضى أكثر من أربعين عامًا في المهنة منذ نعومة أظفاره، مارس وخطط وبنى وأشرف على عدد كبير من المباني والبيوت؟ بالتأكيد ستكون لديه قدرة عالية على رؤية المبنى قبل أن يظهر على أرض الواقع.

الأستاذ المعماري وإدارة البناء

كان الأستاذ يجمع في شخصه مهام متعددة، فهو قائد بالفطرة وشخصيته جادة وحازمة بشكل عام، ويعرف موقع واتجاه الأرض، ويعرف المواد وخصائصها وأماكن توفرها، ويفهم مراحل البناء، ويختار الحرفيين، ويوزع الأدوار، ويتابع مراحل التنفيذ، ويتعامل مع صاحب المبنى في مختلف التفاصيل، وكان عليه أن يدير التخطيط والمال والمواد والعمال والوقت، وأن يتخذ القرار المناسب في كل مرحلة، وأن يعالج ما يظهر من مشكلات أثناء العمل.

وهنا تبرز صورة مهمة للأستاذ يمكن أن تقرّب لنا فهم دوره اليوم، فالمعماري المعاصر يتعامل مع مشروع يجمع تخصصات متعددة، ويفهم طبيعة عمل المهندس الإنشائي والكهربائي والمقاول والنجار والحداد، والإجراءات النظامية، وغيرها من التخصصات، ويعرف كيف تتكامل هذه الأدوار لخدمة المبنى.

والأستاذ قديمًا كان، بطريقته وأدوات عصره، يقوم بدور قريب من هذه الفكرة، فهو لا يقوم بكل الأعمال بنفسه، لكنه يعرف من يقوم بكل عمل، ويفهم دوره، ويعرف متى يحتاج إليه وكيف ينسق بين أعماله وبين بقية الحرفيين.

ولهذا يمكن تشبيه الأستاذ بقائد منظومة البناء، يجمع المعرفة، ويقرأ احتياجات صاحب المبنى، ويحوّلها إلى تصور، ثم يوزع المهام ويتابع تنفيذها حتى تكتمل الصورة، بل كانت مسؤوليته تمتد إلى تفاصيل أخرى، ومنها متابعة توفير «الفطور أو الجذوع» للبنّائين بحسب ظروف الموقع وما يوفره صاحب المبنى.

كيف يصل العامل إلى الأستاذية؟

الأستاذية لا تأتي بمجرد العمل في البناء، وإنما هي نتيجة تراكم طويل ومستمر من الخبرة والممارسة والسمعة، فمع السنوات تكبر وتتسع معرفة البنّاء بالمواد والحرف والعمال، ويتطور أسلوبه في التعامل والإدارة، ويصبح أكثر قدرة على اتخاذ القرار وحساب التكاليف وتوزيع العمل، وحين تجتمع الخبرة مع الذكاء والإتقان وحسن التعامل، يكتسب صاحب المهنة ثقة المجتمع، ويصبح اسمه معروفًا، ويشار إليه بالبنان، ويصل الأمر إلى أن تميّزه! يطلبه أصحاب البيوت بالاسم، وهنا تصبح «الأستاذية» أكثر من لقب، إنها شهادة اجتماعية على الخبرة والثقة وجودة العمل.

معماريون بلا شهادة

وقد حاولت، من خلال الزيارات المتكررة، والبحث والتوثيق والسؤال، الوصول إلى عدد من الرجال الذين مارسوا مهنة البناء في

«قلعة القطيف» تحديدًا «حاولت التواصل وجمع أسماء للأساتذة من مدن ومناطق بالقطيف، اتضح أنه لا توجد قوائم جاهزة بأسماء الأساتذة وتحتاج إلى وقت وتواصل وتفرغ لتدوينها»، وكان لكل أستاذ تجربته وخبرته ومكانته في هذه المهنة، ولهم مستويات مختلفة من الخبرة والتخصص والكفاءة، ولكل منهم ما يستحق أن يُروى ويُوثّق ومنهم:

• المرحوم الحاج علي بن حبيب الغانم

• المرحوم الحاج عبد الله بن حبيب الغانم

• المرحوم الحاج رضي بن حبيب الغانم

• المرحوم الحاج حسن بن خميس

• المرحوم الحاج عبد الرسول أصباخ

• المرحوم الحاج سعود أصباخ

• المرحوم الحاج نعمة الطويل

• المرحوم الحاج أحمد السنان «أبو مكي»

• المرحوم الحاج عبد الله الجشي

• المرحوم الحاج أحمد الجشي

• المرحوم الحاج سعيد أبو ديب

• المرحوم الحاج عبد الرسول المصطفى «له فضل عليّ بعد الله».

• المرحوم الحاج السيد هاشم العوامي

• الحاج علي أحمد المصطفى

• المرحوم الحاج مهدي عبد العال

رحمهم الله جميعًا، وجزاهم عمّا قدموه خير الجزاء، وممن لا يزالون على قيد الحياة أطال الله في أعمارهم في صحة وعافية، يحملون جانبًا من خبرة هذه المهنة وذاكرة البناء! وما ذِكرُ هؤلاء الرجال إلا تقديرًا لمكانتهم، واعترافًا بأن العمارة التقليدية لم تُبنَ بالحجر والجص والخشب وحدها، وإنما بُنيت بخبرات وسواعد رجال تعلّموا المهنة ومارسوها جيلًا بعد جيل، ولكل واحد منهم تجربته الخاصة، ومستواه من المعرفة، ومجاله الذي برع فيه، ولذلك فإن شهاداتهم تمثل أجزاءً مختلفة من صورة واحدة، هي ذاكرة البناء في قلعة القطيف.

خاتمة:

الأستاذ، العقل المدبّر للبناء.

يقرأ المكان، ويفهم احتياجات ورغبة المالك وإمكاناته، ويختار المواد والعمال، ويتصور المبنى، ويعرف أدوار الحرفيين وتتابع أعمالهم، وتوزيع يومياتهم، ثم يقود مراحل التنفيذ حتى يكتمل.

الأستاذ المعماري كان يحمل المبنى في ذهنه!

قبل أن يحمل العامل البنّاء أدواته في يده.