آخر تحديث: 26 / 9 / 2026م - 8:50 م

هابرماس وجدل المعرفة والإيمان

الشيخ زكي الميلاد * مجلة أفق

صنَّف المفكّر الألماني يورغن هابرماس كتابًا مهمًّا في تاريخ الفلسفة الغربية، صدر باللّغة الألمانية سنة 2019 م، بعنوان ”تاريخ للفلسفة أيضًا“، يقع في مجلَّدين كبيرين، قدَّم فيه مقاربة جديدة ومثيرة لتاريخ الفلسفة الغربية، تتبع أزمنتها وعصورها القديمة والوسيطة والحديثة، وتوقَّف عند أبرز محطاتها الكبرى ولحظاتها المؤثّرة، وتفحَّص المآلات التي انتهت إليها في أزمنتها الحديثة. وحين تطرَّق إلى وضعيّتها المعاصرة حدَّد وجهتها بما أطلق عليه ”الفكر ما بعد الميتافيزيقي“، ويعني به الفكر الذي تشكَّل نتيجة تقويض الصيغة الميتافيزيقية لتأويل العالم بالعبور إلى الحداثة، وترسيخ فلسفة الذّات، وذلك بعدما قدَّم علما الفلك والفيزياء أسبابًا للتفكير في أنّ العالم في كليّته هو مجموع من الموضوعات التي يتمّ تمثُّلها من قبل الذات.

في هذا الكتاب تقصَّد هابرماس إضافة كلمة ”أيضًا“ إلى عنوانه، ولم تكن بالنسبة إليه كلمة زائدة أو خالية من المعنى، وأثار بها قدرًا من الفضول، وأراد منها إضفاء معنى مزج فيه جانبًا أخلاقيًا وجانبًا علميًا، معتبرًا أن هذه الإشارة تعبر عن بادرة للتواضع، وجاءت بقصد لفت الانتباه إلى أنّ ما قدَّمه ليس إلّا تفسيرًا، يضاف إلى تفسيرات أخرى ممكنة، حتى لو كان جديدًا لتاريخ الفلسفة. فلا ينبغي النّظر إلى هذا التاريخ بوصفه تاريخًا نهائيًا خالصًا للفلسفة، مبينًا أن التاريخ يعني له عملية تعلُّم مستمرة، ولا يمكن لأيّ كاتب تجنب وجهة نظر معيّنة، تنعكس فيها بعض قناعاته النظرية.

وما أثار الدّهشة في هذا الكتاب، أنّ هابرماس اتخذ من خطاب الإيمان والمعرفة خيطًا هاديًا، وعدّه موضوعًا رئيسًا في سردية تاريخ الفلسفة الغربية، وقدّم نفسه بوصفه فيلسوفًا مهتمًا بالسؤال عمّا يمكن تعلمه من هذا الخطاب، مستندًا إليه في تبصراته وتحليلاته، ومعتقدًا بأن تناضجًا دلاليًا قد تحقّق على امتداد تاريخ طويل. وبحسب منظوره فإن الفلسفة الغربية الحديثة نشأت من تداخل بين رؤيتين كونيتين متعارضتين في بنيتهما، فالجمع الذي حدث بين الأفلاطونية وتعاليم المسيحية المبكّرة في ظلّ الإمبراطورية الرومانية، هو ما شكّل الفكر الفلسفي الغربي على امتداد نحو ألف وخمسمائة عام.

من جانب آخر، انتقد هابرماس ما سمّاه ”عادة القفز“ التي ما زالت تغشى الجيل الذي ينتمي إليه، وذلك حين يصوّر أنّ سيرورات التعلّم التي قامت خلال الألف سنة الماضية، قابلة لأن تُستبعد وتُقصى، وكأنّ الخطابات الفلسفية كانت تجري فيها على نحو حصري تحت وصاية الكنيسة الكاثوليكية الرومانية وعلمائها في اللاهوت، وأنّ الفلسفة الإغريقية محدَّدة في أفلاطون وأرسطو لم تجد لها من امتداد علمي حقيقي إلّا في داخل النّزعة الإنسانية بداية الأزمنة الحديثة، وما حدث هو على العكس من ذلك.

وعندما سُئل هابرماس: بماذا تدين الفلسفة للفكر الديني؟ أجاب جازمًا: أنّ النّزعة الكونية للفكر الأخلاقي والنظريات الدستورية لجهة الاهتمام بالمساواة وبكرامة كلّ شخص واستقلاليّته، إنّما هو عائد إلى الكيفية العقلانية التي تملَّكت بها الفلسفة إرثًا دينيًا، وعملت على توسيع تطبيقه. ونتيجة لهذه الرابطة لم تعدّ التمثّلات الأخلاقية تنحصر بكيفية خصوصية داخل الأطر الضيّقة في نطاقات العائلة أو الوطن، لأن الديانات العالمية كانت موجهة إلى جميع الكائنات الإنسانية من دون تمييز.

وأضاف هابرماس، وبالنسبة إلى التطوّر الغربي للفلسفة، فإنّ الحقّ الطبيعي المسيحي وعملية تلقّي القانون الروماني كلاهما كانت له أهمية خاصّة، لأنّ تصوُّر الحقوق الذاتية كالحرية والمساواة الذي كان حاسمًا بالنسبة إلى القانون الحديث إنّما ظهر داخل هذا السياق.

ومن الخلاصات المهمّة التي أشار إليها هابرماس في هذا الشأن، في ناحية الإيمان رأى أنّ العقل الديني لكي يحافظ على مرونته عليه أن يبقى مستعدًا ليتعلَّم من بقية الظواهر المختلفة، وينفتح على تأويلاتها الجديدة في العالم. وفي ناحية المعرفة رأى أنّ هذا ينطبق بشكل مواز أيضًا على العقل العلمي الحديث، الذي عليه أنّ يتعلَّم من الفكر الديني من دون التخلي عن استقلاليته.

هذه بعض ملامح رؤية هابرماس في هذا الشأن، جمعت أشتاتها من بعض الحوارات التي توالت معه بعد نشر كتابه، وعقب صدور ترجمات له إلى اللّغات الأخرى كالفرنسية والإنجليزية.

أمام هذه الرؤية تفحّصًا وتبصّرًا، يمكن تسجيل التقويمات الآتية:

إعادة البناء

أولًا: اتَّجهت معظم أو جميع محاولات السابقين تقريبًا وخصوصًا من الغربيين المعاصرين في مقاربة تاريخ تطوُّر الفلسفة الغربية إلى تفكيك العلاقة بين المعرفة والإيمان، تغليبًا لخط المعرفة وتفضيلًا له، وتهميشًا لخط الإيمان وتنقيصًا له. وضمن هذا السياق وتدعيمًا له جرى تقسيم التاريخ الكلاسيكي العامّ للفلسفة الغربية إلى ثلاثة عصور متباعدة ومنفصلة، هي: العصر اليوناني القديم موصوفًا بعصر الفلسفة، والعصر الأوروبي الوسيط موصوفًا بعصر الإيمان، والعصر الأوروبي الحديث موصوفًا بعصر العلم. وبعدما خرجت أوروبا من العصر الوسيط إلى العصر الحديث، تمّ توصيف هذا الانتقال في الأدبيات الأوروبية، بانتصار الفلسفة على الدين، وانتصار الفلاسفة على رجالات اللاهوت، وانتصار العلم على الإيمان، وانتصار الجامعة على الكنيسة، وهكذا.

وضمن هذا السياق أيضًا، جاءت محاولة المفكّر الفرنسي أوجست كونت «1798 - 1857 م» الذي وضع ما أطلق عليه قانون الحالات الثلاث، مقسمًا بصورة حاسمة تاريخ تطوُّر الفكر الإنساني إلى ثلاثة عصور هي: العصر اللاهوتي، والعصر الميتافيزيقي، والعصر الوضعي العلمي. إلى غير ذلك من تصوّرات ومقاربات تلتقي على نسق تفكيك العلاقة بين المعرفة والإيمان.

بعد كلّ هذه المحاولات على تراكمها ورسوخها الفكري والزمني، جاءت محاولة هابرماس واتَّجهت وجهة مغايرة نحو إعادة تركيب العلاقة بين المعرفة والإيمان ليس في نطاق زمن معيّن، أو عصر محدّد من الأزمنة والعصور القديمة أو الحديثة، وإنّما على امتداد كامل أزمنة الفلسفة الغربية وعصورها. بل إنّ هابرماس عندما تبصَّر في أقدم العصور وجد أنّ عصر الإيمان إذا لم يكن سابقًا أو متقدّمًا على عصر المعرفة، فلا أقل كان متداخلًا معه أو متصلًا به، فقد أظهر قناعته بحجّة المفكّر الألماني كارل ياسبرز «1883 - 1969 م» القائلة: إنّ الفلسفة الغربية تندرج ضمن الرؤى الكونية التي نشأت في ما أطلق عليه ياسبرز بالعصر المحوري، أي في منتصف الألفيّة الأولى قبل الميلاد، إذ نشأت في خمس أو ست من الحضارات الأكثر تقدّمًا آنذاك. لذا وقبل أن يُقدّم هابرماس تاريخ الفلسفة بالمعنى الدقيق، خصَّص مدخلًا موجزًا للمقارنة بين أصول وتعاليم اليهودية والبوذية والكونفوشيوسية والطاوية والفلسفة اليونانية الكلاسيكية حتى أفلاطون، مصوّرًا أنّه بهذا الجهد قد وضع تاريخ الفلسفة الغربية في سياقه الأشمل، مؤكّدا بهذه الخطوة على التقاء المعرفة والإيمان.

أهمية المحاولة وفرادتها

ثانيًا: بهذه المحاولة يكون هابرماس قد أعاد من جديد بناء تاريخ الفلسفة الغربية على امتداد تاريخها الطويل، متفرّدًا بهذا العمل، ومتفارقًا عن أسلافه السابقين وحتى المعاصرين. وتكمن أهمية هذه المحاولة في أنّها جاءت من هابرماس نفسه الذي يُعدّ واحدًا من كبار الفلاسفة المعاصرين، ولا يكاد أحد تقريبًا يختلف على مكانته الفلسفية حتى من المختلفين معه من أصحاب الاتجاهات الفلسفية الأخرى.

من وجه آخر، تتأكد أهمية هذه المحاولة أيضًا، في أنّها جاءت من هابرماس بعدما بلغ سنّ التسعين عامّا، الأمر الذي يعني أن هذه المحاولة قد استندت إلى تراكمات كبيرة على مستوى المعارف والخبرات. ومن ثمّ لا يمكن النّظر إلى هذه المحاولة وتقويمها بعيدًا عن هذا البعد التراكمي الطويل والممتد، خصوصًا بالنسبة إلى شخص مثل هابرماس الذي له سيرة فلسفية حافلة بالخبرات والإنجازات.

كما أن المحاولة التي تأتي بعد هذا العمر المديد تكون لها وضعية فكرية ونفسية خاصة، وتكتسب درجة عالية من النضج، وتتسم عادة بسمة الموقف النهائي والجازم، الذي لا مجال للتراجع عنه غالبًا، أو إعادته إلى دائرة الشك، بل تكون له خاصية المنظور الحاكم على جميع الآراء السابقة. ومن هنا تصبح هذه المحاولة عند هابرماس بمثابة القول الأخير، وعلى هذا الأساس يتم تقويمها والتعامل معها فكريًا وفلسفيًا.

كان من السهل أن تأتي مثل هذه المحاولة من شخص ينتمي إلى المؤسسة الكنسية أو ينتسب إلى حقل الدراسات اللاهوتية أو يُعرف بسيرته الإيمانية، بقصد الدفاع عن الإيمان في وجه جبروت المعرفة وقوّة اتساعها وشدّة سطوتها. لكنّ المفارقة أنّ هذه المحاولة جاءت من فيلسوف عقلاني منافح بقوّة عن عقل الحداثة وإرث الأنوار، ووريث مدرسة نقدية عُرفت بميولها إلى نهج اليسار هي مدرسة فرانكفورت النقدية، وله في سجلّ خبراته اقتراب من الماركسية والنقد الماركسي. وهذا ما عزَّز كذلك من أهمية هذه المحاولة، ورفع من قيمتها، وأكَّد على جدّيتها المعرفية والأخلاقية، وتحرُّرها من التحيُّزات الأيديولوجية أو العلمية أو السياسية وغيرها.

ولا يستبعد من نقاد هابرماس بعد هذه المحاولة وصدقها في الدفاع عن الإيمان في فضاء الفلسفة وتاريخها، أن يتمّ النظر إليه وفق منظور التحوّلات أو منطق التراجعات، وقد يصوّر بأنّه بدأ قريبًا من الماركسية، ثمّ أصبح منحازًا إلى الليبرالية، وانتهى به المطاف في أرذل العمر إلى أن يكون رجعيًا مدافعًا عن الدين والإيمان. إذ ليس من السهل على مثل هؤلاء تقبل هذا الموقف من شخص في منزلة هابرماس وسيرته الفلسفية.

هل من أثر على الفلسفة الإسلامية!

ثالثًا: إذا أردنا أن نذهب بعيدًا، فمن المفترض بعد هذه المحاولة الجادة من هابرماس أن ينعكس أثرها في طريقة نظر الغربيين وتقويماتهم للفلسفة الإسلامية، بوصفها الفلسفة التي مثَّلت أهمّ محطّة تجدَّدت فيها وتأكَّدت العلاقة بين الدين والفلسفة، وعُرفت بهذا المسلك، وتفارقت بهذا الأفق عن غيرها من الفلسفات الأخرى السابقة عليها واللاحقة.

هذه الإشارة تأتي لأنّ الغربيين أو الكثيرين منهم باحثين ومستشرقين، اتّخذوا من هذه القضية مدخلًا لتكوين انطباعات وتقويمات خاطئة ومشوَّهة عن الفلسفة الإسلامية. فثمّة من رأى مستنقصًا أن مستوى الفلسفة الإسلامية تحدّد بهذا الأفق لا غير ولا أفق لها سواه، وثمّة من رأى أنّ بتأثير الدين تحوَّلت هذه الفلسفة إلى فلسفة دينية متفارقة عن الفلسفة العقلية فهي أقرب إلى علم الكلام من الفلسفة، إلى جانب من رأى أنّ الفلسفة الإسلامية فرضت سلطة الدين على الفلسفة فقيَّدت فُرصها وإمكاناتها في التجدُّد والتقدُّم، إلى غير ذلك من انطباعات وتقويمات تتصل بهذا النسق المتحيّز.

وما لفت الانتباه في هذا الشأن، أنّ هابرماس قيَّد إطاره البحثي في نطاقه التاريخي الطويل وحصره في حدود عالم المسيحية، متغافلًا كليًا عن الفلسفة الإسلامية وعالم الإسلام. ولم يكن هذا التغافل أو التجاهل مفهومًا، خصوصًا وأنّ الفلسفة الإسلامية لها سيرة طويلة من التواصل وتبادل الوشائج مع الفلسفة الغربية بعصورها الثلاثة الكبرى القديمة والوسيطة والحديثة. فبشأن العصر القديم فإن الفلسفة الإسلامية هي التي أعادت الروح إلى التراث الفلسفي اليوناني وأسهمت في إحيائه وتجدُّده بعدما كان مطمورًا ومهملًا، وهذا ما يعرفه الغربيون قبل غيرهم. وبشأن العصر الوسيط فإن الفلسفة الإسلامية وتحديدًا فلسفة ابن رشد «520 - 595 ه/ 1126 - 1198 م» هي التي ألهمت الفلسفة الدينية المسيحية وتحديدًا فلسفة توما الأكويني «1225 - 1274 م» للنظر في إمكانية التوفيق بين العقل والإيمان. وأما بالنسبة إلى العصر الحديث فتأثير الفلسفة الإسلامية ظهر واضحًا في ما عُرف في أدبيات الأوروبيين بالسينوية اللاتينية نسبة إلى ابن سينا «370 - 428 ه/ 980 - 1037 م»، والرشدية اللاتينية نسبة إلى ابن رشد. إضافة إلى أن الفلسفة الإسلامية كانت أكثر نجاعة من الفلسفة المسيحية في بناء العلاقة وترسيخها بين المعرفة والإيمان. فهل تترك محاولة هابرماس أثرًا في تجديد النّظر إلى الفلسفة الإسلامية!

أفق، لبنان، دورية شهرية، تصدر عن مؤسسة الفكر العربي، سبتمبر 2026 م، العدد 180
كاتب وباحث سعودي «القطيف»