آخر تحديث: 26 / 9 / 2026م - 8:50 م

أبوةٌ بلا نسب

رضي منصور العسيف *


لم تكن تتوقع أن تنتهي حياتها الزوجية بهذه السرعة.

كانت ما تزال تحمل طفلتها في أحشائها حين وقع الانفصال، فخرجت من تجربة الزواج بقلبٍ مثقل، وعادت إلى بيت أهلها وهي تحمل معها طفلًا لم يرَ النور بعد.

لم تكن الأيام سهلة.

ففي كل مرة كانت تضع يدها على بطنها وتشعر بحركة صغيرتها، كانت تقول في نفسها:

— سأكون لكِ أمًّا وأبًا ما استطعت.

مرّت الشهور، وجاء موعد الولادة.

فتحت الطفلة عينيها على الدنيا، ولم تعرف من تفاصيلها سوى وجه أمها، ودفء جدتها، وأيدي أخوالها وخالاتها التي امتدت إليها بالحب.

احتضنها الجميع.

كبرت قليلًا وهي تنتقل بين ذراع أمها وحضن جدتها، حتى أصبحت قطعةً من البيت، وضحكتها جزءًا من صباحاته.

كان أهل الأم يحاولون قدر استطاعتهم أن يعوضوها عن أي نقص، وألا تشعر يومًا أن انفصال والديها جعلها أقل حظًا من بقية الأطفال.

ومرت الأيام…

ثم تقدم رجل للزواج من أمها.

كان رجلًا طيبًا في ظاهره، حسن الخلق، هادئ الحديث، لكن شيئًا واحدًا كان يقلق الأسرة كلها:

الطفلة.

قالت الجدة لابنتها بقلق:

— الزواج من حقك، ونحن نتمنى أن تبدأي حياة جديدة، لكن ابنتك أمانة… أخاف أن يتغير عليها بعد الزواج.

وقال أحد إخوتها:

— اليوم يقول إنه سيتعامل معها كابنته، لكن الحياة بعد الزواج مختلفة.

كانت المخاوف مفهومة.

فالناس يسمعون كثيرًا عن قصصٍ لم يكن فيها زوج الأم رحيمًا بأطفال زوجته، حتى أصبحت كلمة «زوج الأم» تستدعي في بعض الأذهان صورة الرجل الذي يرى الطفل عبئًا لا علاقة له به.

أما الأم، فكان سؤال واحد يلاحقها:

هل سيحب ابنتي؟

لم تكن تبحث عن رجل يقبل بوجود الطفلة في البيت فحسب، بل كانت تريد رجلًا يحترمها، ويحفظ قلبها الصغير، ولا يجعلها تشعر يومًا بأنها ضيفة ثقيلة في بيت أمها.

تم الزواج.

ودخل الرجل البيت…

ودخلت معه المخاوف.

كان الجميع يراقب.

الجدة تراقب نظراته للطفلة.

والأخوال يتابعون طريقته في الحديث معها.

والأم نفسها كانت تلاحظ أدق التفاصيل.

في الأيام الأولى، كانت الطفلة تنظر إليه بحذر.

رجل جديد في البيت…

صوت جديد…

وخطوات لم تعتد عليها.

لكنه لم يحاول أن يفرض نفسه عليها.

لم يقل لها:

— أنا أبوك.

ولم يطالبها بمحبة لم تتشكل بعد.

اقترب منها بهدوء.

كان يسألها عما تحب، ويشاركها بعض ألعابها، ويبتسم حين تحدثه بلغتها الطفولية البسيطة.

وحين تذهب أمها إلى المطبخ، كان يبقى معها دون أن تشعر الطفلة بالخوف.

مرت الأيام…

وبدأت المسافات الصغيرة بينهما تختفي.

وحين بلغت سن الروضة، بدأ هو من يوصلها في بعض الصباحات.

فيستيقظ مبكرًا، يتأكد أنها تناولت إفطارها، ثم يحمل حقيبتها الصغيرة ويخرج معها.

كان يمسك بيدها حتى باب الروضة.

وأحيانًا تنسى شيئًا في السيارة، فيعود مسرعًا ليحضره لها.

وإذا بدت متعبة أو حزينة، انحنى نحوها وسأل:

— ماذا بكِ اليوم؟

ومع الوقت أصبح الموظفون في الروضة يظنون أنه والدها.

فطريقة حديثه معها لم تكن طريقة رجل يؤدي واجبًا تجاه ابنة زوجته…

بل طريقة أبٍ يخاف على ابنته.

وفي أحد الأيام، رأته إحدى الأمهات يحمل حقيبتها بيد، ويمسك بيدها الأخرى، وهي تحدثه بحماس عن شيء حدث معها في الروضة.

ضحك معها، ثم انحنى ليعدل شيئًا في ملابسها قبل أن تدخل.

قالت المرأة لصديقتها:

— ما شاء الله… واضح أنها متعلقة بأبيها كثيرًا.

ابتسمت صديقتها وقالت:

— هذا ليس أباها.

اتسعت عيناها دهشة:

— ليس أباها؟!

— لا… هذا زوج أمها.

تأملت المشهد مرة أخرى وكأنها تراه لأول مرة.

زوج أم؟!

كانت الصورة مختلفة تمامًا عن الصورة التي رسمتها مخيلتها لهذه الكلمة.

وفي البيت، كان أهل الأم أنفسهم قد بدأوا يشعرون بالخجل من مخاوفهم القديمة.

الجدة التي كانت أكثر الناس خوفًا عليها أصبحت تقول:

— والله إنه يخاف عليها أكثر مما كنا نتوقع.

وذات مرة مرضت الطفلة في الليل.

ارتفعت حرارتها، وجلست أمها إلى جوارها قلقة.

فإذا به ينهض، ويذهب بها مع أمها إلى المستشفى، ويبقى منتظرًا حتى اطمأن عليها.

وفي طريق العودة كانت الطفلة نائمة في السيارة.

حملها بين ذراعيه إلى غرفتها، ووضعها برفق على سريرها، ثم غطاها وخرج بهدوء.

وقفت الجدة تراقب المشهد.

لم تقل شيئًا.

لكن عينيها قالتا كل شيء.

تذكرت يوم قالت لابنتها:

— أخاف أن يقسو عليها.

وها هو اليوم يحملها بين ذراعيه كأنها ابنته التي خرجت من صلبه.

كبرت الطفلة…

وكبر معها ذلك الحب.

لم يعد أحد في الأسرة يسأل:

هل سيقبل بها؟

بل أصبحوا يقولون:

— الحمد لله الذي سخّر لها قلبًا حنونًا.

لقد أثبت لهم أن الأبوة ليست دائمًا اسمًا يُكتب في شهادة الميلاد.

أحيانًا تكون الأبوة موقفًا.

يدًا تحمل حقيبة صغيرة كل صباح…

صوتًا يسأل: هل أكلتِ؟

عينًا تراقب حرارتها حين تمرض…

وقلبًا يخاف عليها دون أن يجبره أحد على ذلك.

لم يكن والدها بالنسب.

ولم يحمل ملامحها.

ولم تكن بينهما صلة دم.

لكنه فعل شيئًا أجمل…

صنع بينهما صلة قلب.

وهكذا تحولت مخاوف الأسرة من «زوج الأم» إلى امتنان لرجل أثبت لهم أن الرحمة لا تحتاج إلى قرابة.

فبعض الأطفال يولدون لأبٍ واحد…

لكن الحياة قد تهديهم قلبًا آخر يحبهم كالأب.

وما أجمل الإنسان حين يدخل حياة طفل، فلا يجعله يدفع ثمن أخطاء الكبار، ولا يشعره بأنه زائد عن الحاجة، بل يقول له بأفعاله كل يوم:

أنت لست عبئًا في هذا البيت…

أنت واحدٌ منا.

*ملاحظة القصة حقيقية وليست من نسج الخيال

كاتب وأخصائي تغذية- القطيف