ماذا لو عشنا بعين جدتي؟

منذ طفولتنا، كانت جدتي، رحمها الله، تمنحنا درسًا في الحمد دون أن تجلس يومًا لتعلّمنا إياه.
كنا نراها قائمة فتقول: الحمد لله، وقاعدة فتقول: الحمد لله، وقبل الطعام وأثناءه وبعده.
لكن الحمد عند جدتي لم يكن مرتبطًا ببداية الطعام ونهايته، بل كان رفيقًا ليومها كله. كانت تحمد الله ببساطة، وكأن الحمد عندها جزء من الحياة نفسها.
ولم نكن ندرك ونحن صغار أن هذه المرأة كانت تعلمنا معنى عميقًا: أن النعمة لا ينبغي أن تمر علينا حتى تصبح عادية في أعيننا.
ربما لم تكن جدتي تملك أكثر منا من النعم، لكنها كانت تراها بعين مختلفة.
وهنا تبدأ الحكاية.
كان حمد جدتي يلفت انتباهنا إلى شيء نفهمه أكثر كلما تقدم بنا العمر.
نحن لا نفقد النعمة دائمًا حين ترحل؛ أحيانًا نفقد الشعور بها وهي بين أيدينا.
نستيقظ بصحة، ونرى، ونسمع، ونتحرك، ونتنفس، ثم نمضي في يومنا دون أن نتوقف أمام عظمة هذه النعم.
نعود إلى بيوتنا سالمين، نجد الماء والطعام والأمان والستر، ونلتقي بمن نحب، ثم نقول: هذا يوم عادي.
لكن ما نسميه عاديًا هو نعمة عظيمة تكررت حتى غابت دهشتها.
وهنا أتذكر جدتي؛ كانت تقاوم هذا الاعتياد بطريقتها البسيطة: بالحمد والشكر لله.
العلم يفسر جانبًا من ذلك بما يسمى التكيّف مع المتعة «Hedonic Adaptation»؛ فالعقل البشري يتكيف مع الأشياء المتكررة، فيصبح ما كان يثير فرحتنا في بدايته مألوفًا مع الوقت.
وهذا التكيف طبيعي، لكنه يصبح مؤذيًا حين يتحول إلى غفلة عن قيمة ما نملك.
فكانت جدتي، من حيث لا ندري، تعيد انتباهها إلى النعمة كلما قالت: الحمد لله.
وأذكر جدتي، رحمها الله، حتى في مرضها؛ حين كان التعب يثقلها، كان «الحمد لله» يخرج منها بهدوء، كما ألفناه منها في أيام عافيتها.
كنا نرى مرضها، وهي كانت ترى نعمًا أخرى تحيط بها؛ تحمد الله على ما بقي لها من عافية، وعلى وجود أهلها حولها، وعلى كل لطف يخفف عنها.
ومنها تعلمنا أن الإنسان قد يتألم، ومع ذلك يبقى قلبه ممتلئًا بالحمد.
رحمكِ الله يا جدتي، ما زال صوت حمدكِ يعلّمنا كيف نرى النعمة، حتى في الأيام التي لا نراها فيها.
وربما كان الطعام أول درس شاهدناه بأعيننا.
كنا نراها أمام المائدة، ولا نفهم لماذا يمتد حمدها مع الطعام، بينما نراه نحن مجرد وجبة تبدأ ب«بسم الله الرحمن الرحيم» وتنتهي ب«الحمد لله».
ثم كبرنا وفهمنا أن اللقمة نفسها ليست نعمة منفردة.
أن تكون قادرًا على الأكل نعمة، وأن تجد الطعام نعمة، وأن تجد الماء نعمة، وأن تجتمع بمن تحب حول المائدة نعمة، وأن تتمتع بالعافية التي تمكنك من كل ذلك نعمة.
ومن هنا يفتح حمد جدتي بابًا أوسع: نحن غارقون في نعم لا نكاد نحصيها.
يقول الله سبحانه:
﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: 34].
تأمل صباحك أيها القارئ المبارك:
عينان تفتحان على الحياة، وقلب ينبض دون أن تطلب منه ذلك، ورئتان تعملان وأنت نائم، وعقل يفكر، ولسان يتكلم، ويدان تتحركان، وقدمان تحملانك.
ثم البيت، والستر، والأمان، والعمل، والأهل، والأصدقاء، والقدرة على قضاء حاجاتك.
وكما كانت جدتي ترى اللقمة، يمكننا أن نتعلم أن نرى ما وراء كل تفصيل في حياتنا.
كلما اتسعت نظرتنا إلى النعمة، تذكّرنا أكثر لماذا كان الحمد حاضرًا على لسان جدتي.
فليست كل النعم شيئًا حصل.
بعضها شيء لم يحدث.
حادث لم يقع، مرض لم يصل، خطر مرّ بجانبك ولم تره، وبلاء صرفه الله عنك وأنت لا تعلم.
كم من لطف أحاط بنا ولم نشعر به؟
وكم من شر صرفه الله عنا دون أن نعرف؟
ربما كانت جدتي لا تتحدث عن هذه المعاني بهذه الكلمات، لكنها كانت تعيش روحها: الحمد على الموجود، والحمد على اللطف المستور.
وحين أتذكر جدتي، أفهم أن الشكر يبدأ قبل اللسان.
كانت تقول «الحمد لله»، لكن وراء الكلمة عينًا ترى، وقلبًا يشعر.
العين تشكر حين ترى النعمة.
والقلب يشكر حين يعرف المنعم.
واللسان يشكر حين يلهج بالحمد.
والجوارح تشكر حين تحسن استعمال النعمة.
لهذا فإن «الحمد لله» ليست مجرد عبارة؛ إنها لحظة انتباه.
أن ترى صحتك قبل أن يذكرك المرض بقيمتها، وأن ترى بيتك قبل أن تعرف الغربة، وأن ترى من تحب قبل أن يأتي الغياب.
وهنا أشعر أن جدتي لم تكن فقط تقول الحمد؛ كانت تعلمنا كيف نرى ما نحمد عليه.
ومن النظر إلى النعمة نصل إلى معنى آخر كانت حياة جدتي تتركه فينا دون شرح: طريقة استقبال الإنسان لما حوله.
قد يجلس شخصان إلى المائدة نفسها، فيرى أحدهما طعامًا اعتاده، ويرى الآخر رزقًا ساقه الله إليه.
وقد يعود اثنان إلى البيت نفسه؛ أحدهما يرى مسؤوليات متكررة، والآخر يرى نعمة بيت يأويه ومن يحب ينتظره.
المشهد واحد، لكن النية تغيّر معناه في القلب.
وحين تكون نيتنا لله، يصبح المألوف مجالًا للعبادة، وتتحول التفاصيل الصغيرة إلى أبواب للحمد.
وربما لهذا كان الحمد عند جدتي حاضرًا في التفاصيل؛ لأنها لم تكن بحاجة إلى حدث استثنائي كي تشعر بفضل الله.
ثم يأتي الوعد الإلهي الذي يلخص فلسفة الشكر:
﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7].
والمزيد ليس بالضرورة شيئًا جديدًا.
قد يكون بركة في الموجود، وسكينة في القلب، ومحبة في البيت، وعافية في الجسد، وبصيرة في الروح، وتوفيقًا لحسن استعمال ما أنعم الله به علينا.
وأتذكر هنا جدتي؛ كانت لا تنتظر زيادة النعمة حتى تحمد، بل تحمد على النعمة فتعيش الزيادة في شعورها بها.
فحين يشكر الإنسان، لا تصبح النعمة أكبر في حجمها فقط، بل أكبر في حضورها داخل قلبه.
لعل هذا هو الدرس الذي فهمناه متأخرين.
كثير من النعم لا نعرف قيمتها إلا عندما تهتز.
نعرف الصحة عند المرض، والأمان عند الخوف، والحضور عند الغياب، والوقت بعد مضيه.
لكن جدتي علمتنا شيئًا آخر:
اعرف قيمة ما لديك قبل أن يذكّرك الفقد به.
قل لمن تحب: وجودك نعمة في حياتي.
وانظر إلى عافيتك: الحمد لله.
وإذا عدت إلى بيتك سالمًا: الحمد لله.
وإذا جلست إلى مائدتك: الحمد لله.
ليس لأن الحياة كاملة، ولكن لأن فضل الله فيها أكبر مما تلتقطه أعيننا عادة.
ربما لا نحتاج إلى تغيير حياتنا حتى نشعر بعظمة ما فيها.
ربما نحتاج فقط إلى أن ننظر إليها بعين مختلفة.
في نهاية كل يوم، يمكن أن نسأل أنفسنا:
ما النعمة التي مررت عليها اليوم ولم أنتبه إليها؟
ما الشيء الذي اعتدته حتى نسيت أن أحمد الله عليه؟
ما اللطف الذي أحاط بي ولم أره؟
ثم نقولها كما كانت جدتي تقولها:
الحمد لله.
لكن هذه المرة لا نقولها على العادة؛ نقولها ونحن نرى.
رحم الله جدتي الحنونه كانت تعرف أن ذلك الحمد البسيط سيبقى في ذاكرة أحفادها، وسيجعلنا بعد سنوات نفهم أن بعض أعظم الدروس لا تأتي في صورة موعظة، وإنما تأتي في مشهد صغير يتكرر حتى يسكن القلب.
لقد تركت لنا معنى جميلًا:
أن النعمة التي اعتدناها لا تصبح أقل عظمة، وإنما نحن الذين نحتاج إلى أن نستعيد شعورنا بها.
فما أكثر ما حولنا مما يستحق الحمد.
وما أكثر ما في حياتنا مما يستحق أن نقول له من القلب:
الحمد لله.
اللهم اجعل أعيننا ترى نعمك، وقلوبنا تعرف فضلك، وألسنتنا تلهج بحمدك، وجوارحنا تستعمل نعمك فيما يرضيك.
اللهم لا تجعل اعتيادنا للنعم يحجب عنا عظمتها، ولا تجعلنا نحتاج إلى الفقد كي نعرف قيمة ما أعطيتنا.
وارحم جدتي، واجزها عنا خيرًا؛ فقد علمتنا الحمد بسلوكها قبل كلماتها، وتركت في قلوبنا صوتًا كلما تذكرناه قال لنا بهدوء:
انتبهوا أنتم غارقون في النعم.
فالحمد لله على ما رأينا، والحمد لله على ما لم نرَ، والحمد لله على كل لطف أحاط بنا ونحن لا نشعر.












