آخر تحديث: 26 / 9 / 2026م - 8:50 م

الدفاعية… حين تتحول العلاقة الزوجية إلى ساحة لتبادل الاتهامات


تُعدّ ”الدفاعية“ أحد السلوكيات التي وصفها عالم النفس الأمريكي جون جوتمان ضمن ”فرسان نهاية العلاقة الأربعة“، وهي ليست مجرد رد فعل عابر، بل أسلوب في التعامل قد يؤدي مع مرور الوقت إلى إضعاف الثقة، وإغلاق أبواب الحوار، وتراكم المشكلات بين الزوجين أو أفراد الأسرة.

فلسفة غوتمان وفناء العلاقات الزوجية:

استخدم غوتمان في فلسفته مصطلح ”الفرسان الأربعة“

لوصف أربعة سلوكيات سلبية تحدث بين الأزواج وقد تكتب آخر سطور العلاقة الزوجية، وتتضمّن:

• النقد «Criticism»: مهاجمة شخصية الشريك أو طباعه بدلاً من مناقشة سلوك أو مشكلة محددة.

• الازدراء «Contempt»: السخرية، تقليل الشريك، إظهار الاشمئزاز، أو اعتباره أدنى منك؛ ويُعد المدمر الأكبر للعلاقة.

• الدفاعية «Defensiveness»: لعب دور الضحية، رفض تحمل المسؤولية، وتقديم الأعذار عند مواجهة أي ملاحظة.

• التجنُّب أو الصمت العقابي «Stonewalling»: انسحاب أحد الطرفين تماماً من النقاش وإغلاق قنوات التواصل وعدم التفاعل مع الشريك

وتعد قدرة الأزواج على التعرّف عليها عندما تحدث الخلافات أو الصراعات خطوة أولى ضرورية للتخلص منها واستبدالها بأنماط تواصل صحية وفعالة.

والدفاعية تعني أن يبرر الإنسان أفعاله باستمرار، أو يرفض الاعتراف بأي قدر من المسؤولية، ويقابل كل ملاحظة أو نقد بإلقاء اللوم على الطرف الآخر. فيتحول الحوار من البحث عن الحلول إلى معركة لإثبات البراءة.

لماذا يلجأ الإنسان إلى الدفاعية؟

في كثير من الأحيان لا تنشأ الدفاعية من سوء النية، بل من الخوف. فقد يخشى الإنسان أن يُتهم بالتقصير، أو أن يشعر بالفشل، أو أن تهتز صورته أمام من يحب. لذلك يسارع إلى التبرير، أو الإنكار، أو تحميل الآخرين المسؤولية، معتقدًا أنه يحمي نفسه، بينما هو في الحقيقة يضعف العلاقة.

ماذا يحدث عندما تسود الدفاعية؟

عندما يقول أحد الزوجين: ”أنا متعب لأنني أتحمل كل مسؤوليات المنزل“، يكون المتوقع أن يسمع تفهمًا أو اعترافًا بجزء من المسؤولية. لكن إذا جاء الرد: ”وأنا أيضًا أتعب أكثر منك، والمشكلة أنك لا تقدر ما أفعله“، فإن الحوار يتحول إلى منافسة حول من هو الأكثر معاناة، بدلًا من أن يكون بحثًا عن حل.

وهكذا يشعر كل طرف بأنه غير مسموع، وغير مفهوم، فتتسع الفجوة بينهما.

ماذا يعلمنا القرآن الكريم؟

يرشدنا القرآن الكريم إلى تحمل المسؤولية والتعاون، قال تعالى:

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [1] 

فالحياة الزوجية ليست ميدانًا لإثبات من المخطئ، بل هي شراكة تقوم على التعاون في مواجهة المشكلات.

وقال تعالى:

﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [2] 

والقوامة ليست تسلطًا، وإنما مسؤولية ورعاية، كما أن لكل فرد في الأسرة مسؤولياته التي ينبغي أن يؤديها بإخلاص.

وفي هدي النبي وأهل البيت

روي عن النبي ﷺ:

«خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي.» [3] 

وورد عن الإمام زين العابدين في رسالة الحقوق في حق الزوجة:

”وحق الزوجة أن تعلم أن الله عز وجل جعلها لك سكنا وأنسا، وتعلم أن ذلك نعمة من الله تعالى عليك فتكرمها وترفق بها، وإن كان حقك عليها أوجب فإن لها عليك أن ترحمها لأنها أسيرك، وتطعمها وتكسوها فإذا جهلت عفوت عنها.“ [4] 

فالخير في الأسرة لا يظهر في كثرة الكلام، وإنما في حسن التعامل، والتواضع، والقدرة على الاعتذار، وتحمل المسؤولية.

وروي عن الإمام علي :

«من قصر في العمل ابتلي بالهم.» [5] 

فالإنسان الذي يتهرب من مسؤولياته لا يحقق راحة لنفسه، بل يضيف إلى حياته همومًا جديدة، ويجعل علاقاته أكثر توترًا.

الاعتراف بالخطأ قوة لا ضعف:

يظن بعض الناس أن الاعتراف بالخطأ ينتقص من مكانتهم، بينما الحقيقة أنه دليل على النضج والثقة بالنفس. فالزوج أو الزوجة الذي يقول: ”أعتذر، لقد أخطأت“، يفتح بابًا واسعًا للمصالحة، ويمنح الطرف الآخر شعورًا بالتقدير والاحترام.

إن الاعتذار الصادق لا يُسقط الهيبة، بل يرفعها.

كيف نتخلص من الدفاعية؟

تبدأ الخطوة الأولى بالاستماع الكامل قبل الرد، ومحاولة فهم مشاعر الطرف الآخر بدل الاستعداد للدفاع عن النفس.

ومن المفيد أيضًا أن يعترف الإنسان بجزء من مسؤوليته، حتى لو كان يعتقد أن الطرف الآخر مخطئ أيضًا، فغالبًا ما تكون المشكلات نتاج عوامل مشتركة.

كما أن استخدام عبارات مثل:

• ”أفهم ما تقصده.“

• ”ربما كان لي دور في المشكلة.“

• ”كيف يمكن أن نحلها معًا؟“

يغيّر مسار الحوار من تبادل الاتهامات إلى التعاون.

كيف تتحول من الدفاعية إلى تحمل المسؤولية؟

1. اعترف بجزء من المشكلة

ليس من الضروري أن تكون مخطئًا في كل شيء، لكن من النادر أن يكون أحد الطرفين بريئًا تمامًا. الاعتراف بنصيبك من المسؤولية يخفف التوتر ويفتح باب الحوار. فبدلًا من أن تقول: ”المشكلة كلها منك“، قل: ”ربما كان لي دور فيما حدث، وأود أن أصلحه.“

2. استمع للطرف الآخر دون مقاطعة

كثير من الناس يستعدون للرد قبل أن ينتهي الطرف الآخر من الحديث. أما الاستماع الحقيقي فيعني أن تحاول فهم مشاعره ووجهة نظره قبل أن تدافع عن نفسك. فالإنصات باحترام يطفئ كثيرًا من الخلافات.

3. عبّر عن مشاعرك دون تبرير

بدلًا من كثرة الأعذار، تحدث بصراحة عن مشاعرك. يمكنك أن تقول: ”شعرت بالضغط والتوتر، ولذلك كان رد فعلي غير مناسب.“ فالتعبير عن المشاعر يختلف عن تبرير الخطأ، ويُسهم في بناء الثقة.

4. ابحث عن حل بروح التعاون

لا تجعل هدف الحوار إثبات من المخطئ، بل اسأل: ”كيف يمكن أن نمنع تكرار هذه المشكلة؟“ عندما يتحول التفكير من تبادل الاتهامات إلى البحث عن الحلول، تصبح العلاقة أقوى وأكثر استقرارًا.

الأسرة فريق واحد:

الزواج ليس محكمة يبحث فيها كل طرف عن إثبات براءته، وليس ساحة ينتصر فيها أحد ويخسر الآخر. إنه فريق واحد، فإذا انتصر أحد الزوجين على الآخر، فإن الأسرة كلها تخسر، أما إذا تعاونا على مواجهة المشكلة، فإن الجميع يربح.

تحمُّل المسؤولية في العلاقات يعني أن يراجع الإنسان تصرّفاته بإنصاف، ويعترف بما أخطأ فيه، ويسعى إلى إصلاحه، دون أن يُحمّل نفسه أخطاء الآخرين أو يلومها على كل خلاف.

فعندما تقع مشكلة، قد ينشغل كل طرف بإثبات صواب موقفه وتبرير سلوكه، ويتحوّل الحوار إلى تبادل للاتهامات. وهنا تضيع فرصة التفاهم؛ لأن كلًّا منهما يستمع ليجيب ويدافع، بدلًا من أن يستمع ليفهم.

مثلًا، عندما يتأخر أحد الزوجين دون إخبار الآخر، يمكنه أن يقول: «أتفهّم قلقك، وكان ينبغي أن أخبرك، وسأحرص على ذلك مستقبلًا». فهذا الردّ يجمع بين الاعتراف بالتقصير وتقدير المشاعر وتقديم خطوة عملية للإصلاح.

ولا يعني الاعتذار الموافقة على كل اتهام؛ فمن الممكن أن يقول الإنسان: «أعتذر عن ارتفاع صوتي، لكن ما أزعجني يحتاج إلى نقاش». بذلك يتحمّل مسؤولية أسلوبه، ويحفظ حقّه في التعبير عن حاجته.

أمّا لغة التعاون، فتبدأ بسؤال: «كيف نعالج المشكلة ونمنع تكرارها؟» وتظهر في وصف المشاعر والاحتياجات بوضوح، بعيدًا عن التعميم والتجريح.

ولا تعني الشراكة تساوي المسؤولية دائمًا، أو قبول الإهانة، أو مطالبة طرف واحد بالتنازل المستمر؛ فالإصلاح يحتاج إلى استعداد متبادل، واحترام للحقوق والحدود.

العلاقة الناجحة تمنح الطرفين أمان الاعتراف بالخطأ والتعبير عن الألم، دون إذلال أو استهانة. والانتصار الحقيقي يتحقّق حين يخرجان من الخلاف بفهم أعمق وثقة أكبر، ويترجمان الاعتذار إلى سلوك يحفظ المودّة، ويؤكّد أن قربهما أغلى من مكسب عابر في جدال طويل.

الرسالة الذهبية الزوجية:

إن أجمل العلاقات ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، وإنما تلك التي يمتلك أطرافها الشجاعة للاعتراف بالخطأ،. والحكمة في الإصلاح، والرحمة في العفو.

فالعلاقة الناجحة لا تُبنى على تبرير الأخطاء، بل على تحمل المسؤولية، والتعاون، والاحترام المتبادل. وعندما يتخلى كل طرف عن الدفاعية، ويفتح قلبه للحوار الصادق، تتحول الخلافات من مصدر للفرقة إلى فرصة للنمو، وتزداد الأسرة قوةً وتماسكًا، مصداقًا لقوله تعالى:

﴿وَمِن آياتِهِ أَن خَلَقَ لَكُم مِن أَنفُسِكُم أَزواجًا لِتَسكُنوا إِلَيها وَجَعَلَ بَينَكُم مَوَدَّةً وَرَحمَةً إِنَّ في ذلِكَ لَآياتٍ لِقَومٍ يَتَفَكَّرونَ﴾ . [6] 

[1]  المائدة: 2

[2]  النساء: 34

[3]  مكارم الأخلاق، حسن بن الفضل الطبرسي، ص 216، مجمع الزوائد، ج 4، الهيثمي، ص 303، سنن ابن ماجة، ج 1، محمد بن يزيد القزويني، ص 636

[4]  شرح رسالة الحقوق، الإمام زين العابدين ، ص 517، تحف العقول عن آل الرسول ﷺ، ابن شعبة الحراني، ص 273

[5]  نهج البلاغة، ج 4، خطب الإمام علي ، ص 30

[6]  الروم: 21
استشاري طب أطفال وحساسية