آخر تحديث: 25 / 9 / 2026م - 8:33 م

قدرات نعيش معها.. ولا نراها

أقرب الناس إلينا.. أكثرهم حاجة إلى أن نُقدّرهم

سجاد الجشي


في تفاصيل الحياة اليومية، قد نعتاد وجود الأشخاص من حولنا إلى درجة تجعلنا لا نلتفت إلى ما يمتلكونه من خبرات وكفاءات، حتى تأتي مواقف عابرة تكشف لنا جوانب لم نكن نراها من قبل.

قبل أيام، تلقيت اتصالًا من شخص لا أعرفه، أخبرني أنه حصل على رقم هاتفي عن طريق أحد الأصدقاء، وبدأ يستفسر عن بعض المسائل المتعلقة بأنظمة العمل، بحكم عملي في قسم الموارد البشرية بإحدى الشركات.

أجبت عن معظم استفساراته، إلا أن إحدى النقاط احتاجت إلى مزيد من التأكد، فكان جوابي واضحًا: ”دعني أتأكد من المعلومة وأعود إليك بإجابة دقيقة“.

تواصلت مع صديق عزيز، المحامي المتدرب محمد ضاحي، وطرحت عليه المسألة، فناقشها معي وقدم لي شرحًا وتفصيلًا ساعدني في الوصول إلى الإجابة الدقيقة. ثم عاودت الاتصال بالشخص وأجبته عن استفساره.

قد يبدو الموقف عاديًا، لكنه حمل في داخله دلالة أعمق.

كان أحد الأصدقاء يجلس معي في ذلك الوقت، وبعد انتهاء المكالمة قال لي: ”لم أتوقع أن يستشيرك أحد في مثل هذه الأمور، كنت أظن أن عملك عادي، وهذه أول مرة أكتشف أنك ملم بهذه التفاصيل“.

جعلني ذلك التعليق أتوقف عند حقيقة نعيشها كثيرًا: نحن أحيانًا نرى الأشخاص القريبين منا من زاوية العلاقة التي تجمعنا بهم، ونغفل عن الزاوية المهنية والمعرفية التي يمتلكونها.

فقد أعرف محمد ضاحي بوصفه صديقًا قريبًا، لكن هذا القرب لا ينبغي أن يحجب عني كفاءته القانونية ومعرفته التي يمكن أن أستفيد منها في الوقت المناسب.

ومن هنا حضرتني مقولة شعبية تحمل معنى لافتًا:

”أقرب الناس إليك أزهد الناس فيك“.

ولا تعني هذه المقولة التقليل من قيمة القريب، بقدر ما تلفت الانتباه إلى أن القرب والاعتياد قد يجعلان الإنسان أقل ملاحظةً لقدرات من حوله.

فقد يكون بين أصدقائنا وأقاربنا طبيب نلجأ إليه عند الحاجة، ومعلم يساهم في بناء الأجيال، ومحام يمتلك المعرفة القانونية، ومهندس يحمل خبرة متخصصة، وإداري يملك سنوات من التجربة، أو إعلامي يمتلك أدوات التواصل والمعرفة.

لكننا أحيانًا لا نرى كل ذلك، لأننا ببساطة اعتدنا وجودهم في حياتنا.

إن تقدير الكفاءات لا يرتبط بالمناصب أو المسميات الوظيفية فقط، بل يبدأ من إدراك قيمة الإنسان وما يمتلكه من علم وخبرة وتجربة. فالكفاءة قد تكون في محيطنا القريب، بين صديق أو قريب أو زميل، لكنها تحتاج أحيانًا إلى موقف حتى تظهر.

وتجربتي مع محمد ضاحي كانت مثالًا بسيطًا على ذلك؛ فقد لجأت إلى صديق أعرفه منذ سنوات، لكنني في تلك اللحظة لم أره فقط بوصفه صديقًا، بل رأيت فيه متخصصًا يمكن الرجوع إليه والاستفادة من علمه.

وهنا تكمن أهمية أن نعيد النظر فيمن حولنا، وأن نمنح كل شخص المساحة التي يستحقها وفق علمه وخبرته وتخصصه.

فربما يكون الشخص الذي نجلس معه يوميًا، أو نعرفه منذ سنوات، صاحب معرفة نحتاج إليها، أو خبرة يمكن أن تختصر علينا الكثير، أو مهارة تساعدنا في موقف معين.

القرب من الإنسان لا ينبغي أن يحجب عنا قيمته، والاعتياد على وجوده لا يجب أن يجعلنا نغفل عن كفاءته.

وفي النهاية، قد لا يحتاج من حولنا دائمًا إلى أن نطلب منهم شيئًا، بقدر ما يحتاجون إلى أن نرى ما يقدمونه، وأن نقدر علمهم وخبراتهم وجهودهم.

فالتقدير الحقيقي يبدأ حين نرى الإنسان كما هو، لا كما اعتدنا أن نراه.