آخر تحديث: 24 / 9 / 2026م - 10:41 م

الفردانية المتوحشة أزمة إنسانية «3»

الفردانية بين استقلال الإنسان ومسؤولية الانتماء


كيف يمكن للإنسان أن ينفتح على القيم الأخلاقية الأصيلة، وتتجلى في تعامله مع الآخرين واستشعاره حاجاتهم وآلامهم؟

المحور في ذلك هو تحرر الإنسان من مركزية ذاته، والتحرك الواقع تحت إيقاع النفعية والمصالح الشخصية؛ حيث إن رؤيته للآخرين تتسع وتستوعب ظروفهم وهمومهم، فتنطلق تلك النفس نحو معاني الرحمة والانتماء والتكافل وتقديم المساندة المطلوبة ما أمكن ذلك، دون أن يُعَدَّ ذلك تضييعًا لوقته وجهده، بل يراها في صلب تحقيق سعادته وراحته النفسية.

وهكذا تكون المعالجة لظاهرة الفردانية وتفكيك معالمها والتخلص من آثارها المدمرة، بالانتقال من فكرة ”أنا أولًا وأخيرًا“ إلى معاني الإنسانية النبيلة والفطرة السليمة القائمة على أداء دور إيجابي في المحيط الاجتماعي. فما أقبحها من صورة تشوه شخصية الإنسان أن يتحول إلى كائن انسلخ من كينونة كرامته ووجوده المتكامل، فيلغي وجوده الأخلاقي والاجتماعي بعد تصحر نفسه من المشاعر الوجدانية تجاه محيطه وبيئته! كما أن حقيقة العبودية لله تعالى تختزل في محراب الطاعة كل تلك القيم والمضامين الأخلاقية الرفيعة، وهل كانت العبادات إلا ميدانًا لصنع النفس المتحررة من أسر عبودية الذات والانغلاق على حاجاتها النفعية؟!

وهكذا نجد أن التعاليم والقيم الإسلامية في بعدها الاجتماعي تتحرك نحو فك انعزال الفرد عن الآخرين والتقوقع حول ذاته، وذلك من خلال صناعة مجتمع تحكم علاقة أفراده بما يحفظ حقوقهم وخصوصياتهم من جهة، ويشجعهم على تحمل مسؤولية التكاتف وصنع المعروف. فالفردانية في أصلها ليست مفهومًا مذمومًا بإطلاق، وتقبع غريزة حب الذات بمعناه الإيجابي؛ فالإسلام لا يلغي شخصية الإنسان، ولا يصادر إرادته، ولا يذيب وجوده في الجماعة ذوبانًا يفقده خصوصيته ومسؤوليته، بل إنه يقرر حقيقة التوازن بين حب تحقيق الوجود والتطلعات من جهة، وتحمل مسؤولية وقيمة الإنسانية الجميلة في تجسيدها معاني الرحمة والعطاء.

والقرآن الكريم يقرر للإنسان مساحة واضحة من الاختيار والتكليف والمسؤولية، قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: 13]؛ فهو يتحرك وفق الصور والقناعات التي يحصل عليها من عقله الواعي والناظر في عواقب الأمور، فينطلق في ميدان تحمل مسؤولية أفعاله وقراراته واختياراته بما يحفظ نفسه من النقائص وشوائب الأهواء. فالإنسان في المنظور الإسلامي كائن مسؤول عن قراراته وأعماله، ولا يستطيع أن يلقي تبعة اختياراته على مشجب الظروف وطبيعة المجتمع أو الأسرة. وهذا البعد الفردي يمثل جانبًا أصيلًا من التربية القرآنية للنفس البشرية وتخليصها من عوامل الهدم؛ إذ يبدأ الإصلاح من بناء الإنسان الواعي الذي يعرف نفسه ويضبط إرادته ويتحمل نتائج أفعاله، غير أن التربية الإسلامية لا تحول هذا الاستقلال إلى عزلة أخلاقية أو تمركز حول الذات يغيب عنه القيم الجميلة التي تتزين بها نفسه، وهذا التوازن التربوي يشير إلى أن الفرد الذي يكتشف مسؤوليته عن نفسه وحاجاتها وآمالها، يكتشف في الوقت ذاته مسؤوليته الاجتماعية والأخلاقية عن الآخرين.