آخر تحديث: 23 / 9 / 2026م - 8:20 م

العواميّةُ والمدينة… بينهما طوس ويجمعهما حبُّ أخ

عبد الكريم سعيد النمر


ما الذي يمكن أن يجمع بين رجل خرج من العوامية إلى طوس، حبًّا وبحثًا عن أخيه، وامرأة خرجت من المدينة إلى طوس شوقًا إلى أخيها؟

أكثر من 1200 سنة تفصل بين الحكايتين… لكن الحب والشوق إلى الأخ كان أقوى من الطريق.

الحكاية الأولى بدأت من المدينة، مدينة جدها رسول الله ﷺ، حين خرجت فاطمة المعصومة ، قاصدةً طوس… حيث أخوها الإمام الرضا .

والثانية بدأت من العوامية، حين خرج رجل من بلدته متوجهًا إلى طوس، حبًّا وبحثًا عن أخيه.

الحكاية الأولى حفظها لنا التاريخ، وسنرويها لكم اليوم…

أما الثانية فسأعود إليها قريبًا… فهذه حكاية تستحق أن تُروى كاملة.

أما حكايتنا اليوم…

حكاية امرأة لم يمنعها بُعد الطريق، ولا مشقته، من أن تخرج شوقًا إلى أخيها.

امرأة لم تكن تعلم أن الطريق الذي ستقطعه شوقًا إليه سيكون آخر طريق تسلكه في الدنيا.

إنها حكاية السيدة فاطمة المعصومة … وحكاية شوق كان أقوى من الطريق.

لم تكن فاطمة المعصومة امرأةً عادية في بيت أبيها الإمام موسى بن جعفر ، بل كانت من أبرز بناته منزلةً ومكانةً، حتى وُصفت بأنها…

«أفضل بنات الإمام الكاظم »

نشأت في بيت العلم والعبادة، وكان لها من العلم والمنزلة ما جعل الناس يرجعون إليها في مسائلهم.

وتروي المصادر أن جماعة من شيعة أهل البيت قدموا إلى المدينة، ومعهم مسائل أرادوا عرضها على أبيها الإمام موسى بن جعفر ، فوجدوه غائبًا.

فأجابتهم فاطمة عن مسائلهم، وكتبت لهم أجوبتها.

وفي طريق عودتهم، التقوا بالإمام الكاظم ، فعرضوا عليه ما كتبت ابنته.

قرأ الإجابات… ثم قال:

«فداها أبوها»

وتُروى الرواية أنه كررها ثلاث مرات.

كلمات قليلة، لكنها تكشف شيئًا من مكانة هذه الابنة عند أبيها، ومن علمها الذي بلغته وهي في سن مبكرة.

لكن عبارة «فداها أبوها» استوقفتني لسبب آخر…

فهي لم تكن جديدة في بيت فاطمة.

فقد قالها رسول الله ﷺ لابنته فاطمة الزهراء كذلك… وكررها أيضًا ثلاث مرات كما تكررت هنا.

فاطمة الزهراء… ابنة رسول الله ﷺ، وسيدة نساء العالمين، وصاحبة مقامٍ عظيم لا يعلم كنهه إلا الله سبحانه.

وفاطمة المعصومة… ابنة الإمام موسى بن جعفر وأخت الإمام الرضا .

فاطمةٌ في بيت النبوة…

وفاطمةٌ من نسلها في بيت الإمامة.

لا أريد أن أضع المقامين في ميزان واحد… فلكل واحدةٍ منهما مقامها وخصوصيتها.

لكن اسمًا واحدًا جمعهما… ونسبًا طاهرًا وصلهما…

وروايةً حملت العبارة نفسها:

«فداها أبوها»

ولعلّ لاسم فاطمة مكانة خاصة في بيوت أهل البيت … حتى إن الإمام الكاظم سمّى أربعًا من بناته فاطمة.

ولذلك نجد في المصادر التاريخية تسميات: فاطمة الكبرى، وفاطمة الوسطى، وفاطمة الصغرى.

كما وردت عن الأئمة روايات في فضل التسمية باسم «فاطمة».

لكن حكاية المعصومة لم تتوقف عند أبيها… ولا عند اسمها.

كان لها أخٌ تحبه حبًّا عظيمًا… الإمام الرضا .

لم تكن فاطمة المعصومة للإمام الرضا أختًا كسائر الأخوات…

فبينهما ما هو أعمق من مجرد الأخوّة.

فهما أخٌ وأختٌ جمعهما أبٌ واحد وأمٌ واحدة… شقيقان جمعهما النسب، ووحّدتهما المكانة والفضل، وامتدت بينهما صلة لا تشبه سائر صلات الإخوة.

ماذا كانت تعني هذه الأخوّة للإمام الرضا ؟ وماذا نعرف حقًّا عن علاقته بأخته فاطمة المعصومة ؟

بين ما حفظته المصادر التاريخية لنا، وما أضافته الروايات… تختبئ تفاصيل ربما، لو عرفناها، تغيّر الطريقة التي ننظر بها إلى هذه العلاقة…

فمن أهم فضائل السيدة المعصومة ، كما ذكر بعض العلماء، ارتباطها الوثيق بولي أمرها، وهو المقام الجامع لكل فضائلها… أولًا الإمام الكاظم ، ومن ثم الإمام الرضا ، بل وإفناء وجودها في مقام الولاية.

ولم تكن مكانة الإمام الرضا خاصةً عند أخته وحدها كذلك… بل كانت له مكانة خاصة في أسرة الإمام الكاظم جميعها.

فقد أوصى الإمام الكاظم بأن يكون أمر تزويج بناته بيد ابنه علي بن موسى الرضا … فلا يزوّجهن أحدٌ من إخوتهن أو غيرهم إلا برأيه ومشورته.

وكانت فاطمة المعصومة تحمل لأخيها مكانة خاصة، حتى جاء اليوم الذي غادر فيه الإمام الرضا المدينة متوجهًا إلى خراسان.

عام 200 ه… ترك الإمام الرضا المدينة، وبقيت الأخت فيها تنظر إلى السماء وتتمنى اللقاء قريبًا.

ولم تمضِ إلا سنة واحدة فقط… حتى خرجت فاطمة المعصومة قاصدة أخاها.

عام 201 هـ، غادرت المدينة متجهةً إلى خراسان.

كان الطريق طويلًا… لكنها مضت فيه دون تردد.

ومضت القافلة… حتى وصلت إلى ساوة… وهناك… توقّف كل شيء.

اشتدّ عليها المرض، فلم تعد قادرةً على مواصلة الرحلة إلى خراسان.

حملها الشوق طويلًا… لكن الجسد لم يعد قادرًا على مواصلة الطريق.

لكنها لم تستسلم له… فسألت عن قم.

فقيل لها إن بينها وبين قم عشرة فراسخ… فقالت: «احملوني إليها».

وهكذا… حين تعذّر عليها أن تكمل الطريق إلى أخيها، اختارت الطريق إلى قم.

ولم تكن تعلم أن تلك الخطوات الأخيرة… ستكون آخر ما تمشيه في هذه الدنيا.

حين اقتربت الضعينة من قم، كان خبر قدومها قد سبقها.

وصل الخبر إلى موسى بن خزرج الأشعري، وكان من وجوه المحبين في قم، فخرج لاستقبالها.

وحين رأى الضعينة… اقترب من ناقتها وأخذ زمامها بيده، وسار بها إلى منزله.

أنزلها في داره، وأكرم وفادتها، وبقيت فاطمة في بيت موسى بن خزرج سبعة عشر يومًا.

لكن… لماذا كانت قم؟

لماذا، حين عجزت عن مواصلة الطريق إلى خراسان، طلبت أن تُحمل إلى هذه المدينة بالذات؟

تروي الرواية عن الإمام الصادق أنه ذكر فضل قم… وقال إن فيها امرأةً من ولدي تُدفن فيها… اسمها فاطمة…

وأن من زارها عارفًا بحقها فله الجنة.

ثم جاءت فاطمة إلى قم…

فكان لها في قم لقاء آخر… لقاء لم يكن مع أخيها، وإنما مع مدينة ستصبح بعد رحيلها مقصدًا للمحبين.

وبعد سبعة عشر يومًا… رحلت فاطمة المعصومة عن الدنيا قبل أن تبلغ خراسان أو تلتقي بأخيها الرضا .

حزن عليها أهل قم، وتولوا تجهيزها والصلاة عليها، ثم اختلفوا فيمن يتولى إنزالها في قبرها.

وبينما هم كذلك… أقبل رجلٌ ملثّمٌ، كما تروي بعض الروايات… تقدّم وتولى إنزالها في قبرها، ثم وارى جسدها التراب، وانصرف من حيث أتى.

هل بكى؟ هل كشف عن وجهها ورأى الشوق في عينيها؟

أم سقطت دموعه وهو ينزلها في لحدها؟

لا أعلم…

لكنني أتساءل: هل غادر ذلك الرجل وهو يتمنى لقاءها مرةً أخرى؟

أم أن اللقاء الذي انتظرته فاطمة مع أخيها الرضا … كان قد جاءها، ولكن بطريقة لم نعرفها؟

هل كان ذلك اللقاء… لقاء شوق أم لقاء وداع؟

لا نعرف… لأن بعض اللقاءات لا يرويها لنا التاريخ.

وهنا تنتهي تفاصيل الرحلة…

لكن الحكاية لم تنتهِ.

فقد انتهت رحلة الجسد، وبدأت رحلة أخرى ستُروى في يوم ما.

قصتان تفصل بينهما قرون… لكن بينهما شوقٌ واحد… شوقُ أخٍ إلى أخيه.

خرج ذلك الأخ من العوامية نحو طوس يبحث عن أخيه… وخرجت فاطمة من المدينة نحو أخيها.

في الحكايتين… كان الشوق والحب أقوى من الطريق.

أما قصة ذلك الشاب الذي غادر العوامية نحو طوس ولم يعد… فلا نعلم هل التقى بأخيه، أم أكمل حزنه عند إمامه الرضا … سنعود لنحكيها يومًا ما.

وأما حكاية المعصومة … فقد حفظ التاريخ رحلتها وإن لم يجمعها الطريق بأخيها.

لكن الشوق… لم ينتهِ هناك.

فقصص المحبين لا تنتهي.

همسة عاشق:

من المدينة إلى طوس… ومن العوامية إلى طوس…

رحلتان تفصل بينهما قرون… لكن يجمعهما شوقُ محبَّين إلى من أحبّا.

في المدينة وفي العوامية… حكاياتٌ كثيرة لمحبّي أهل البيت ، وسنعود إلى حكاية العوامية قريبًا.

فقد تنتهي الرحلة… لكن الحب والشوق لا ينتهيان.