آخر تحديث: 21 / 9 / 2026م - 9:32 م

‏الخوف الذي يصنعه العقل

باسم آل خزعل


كم مرة ترددت في الإقدام على أمر ما، لا لأنني أعرف أنه صعب، ولا لأنني أملك دليلًا على أنه سيؤذيني، وإنما لأن شيئًا في داخلي كان يقول: تمهّل… ربما لن يحالفك الحظ، وربما تخسر، وربما يحدث ما لا تتوقعه…

وهكذا، أقف طويلًا على عتبة الخطوة الأولى، أُكثر من الحسابات، وأفتح أبواب الاحتمالات، وأمنح مخاوفي مساحة أكبر مما تستحق. وفي النهاية، قد أختار الانسحاب، لا لأن الطريق مسدود، بل لأن منطقة الراحة تبدو أكثر أمانًا لي…

والغريب أنني كلما تجرأت يومًا وأخذت تلك الخطوة التي أخّرتها طويلًا، اكتشفت شيئًا مدهشًا: أن كثيرًا من العقبات التي صنعتها في رأسي لم تكن موجودة أصلًا…

مجرد أن أتحرك وأمضي قُدمًا، يبدأ الخوف في التراجع. وما إن أدخل قلب التجربة حتى تتبدد تلك الهواجس التي كانت تكبر في رأسي، فأجد الأمر أبسط بكثير مما تخيلت.

ولعل في قول الإمام علي معنًى عميقًا يلامس هذه التجربة: «إذا هِبتَ أمرًا فقع فيه، فإن شدة توقّيه أعظم مما تخاف منه».

كم من أمر هِبناه قبل أن نعرفه، وكم من طريق حسبناه محفوفًا بالمخاطر، ثم اكتشفنا بعد السير فيه أن أصعب ما كان فيه هو لحظة التردد قبل البداية.

لقد تعلمت أن العقل لا يكتفي أحيانًا بالتحذير، بل قد يبالغ في رسم الخطر حتى يصبح الاحتمال في أعيننا حقيقة، والوهم عقبة، والخطوة الأولى جبلًا لا يُصعد.

ومع ذلك، لا يعني الإقدام أن نلقي بأنفسنا في المجهول بلا حساب، فالحكمة ليست في غياب الخوف، وإنما في ألا نسمح للخوف أن يصادر قدرتنا على التفكير والمحاولة.

والأجمل أن بعض ما نخاف منه، حتى إن وقع، قد لا يكون نهاية الطريق. ربما يكون درسًا، أو تصحيحًا لمسار، أو تجربة تكشف لنا أننا أقوى مما كنا نعتقد.

وأحيانًا يكون الضرر الذي خشيناه هو نفسه ما يزيل خوفًا قديمًا استقر في داخلنا، كأن التجربة تأتي لتقول لنا: كنت تخاف من هذا طوال الوقت… وها أنت الآن قد تجاوزته.

ربما لا يحتاج الإنسان دائمًا إلى أن يعرف إلى أين ستؤول الأمور، بقدر ما يحتاج إلى أن يمنح نفسه فرصة ليعرف ماذا سيحدث عندما يبدأ.

فبعض الأبواب لا تُفتح بالمزيد من التفكير، وإنما بخطوة واحدة.

خطوة تجعلنا نكتشف أن أكبر العقبات لم تكن في الطريق… بل في أذهاننا.