هوَس السعر المرتفع: حين يتحول الثمن نفسه إلى سبب الرغبة في الشراء

هل يمكن أن يكون ارتفاع سعر حقيبة أو ساعة هو بالضبط ما يجعلها أكثر إغراءً؟
في المجتمع السعودي، هذا السؤال بعيد عن التنظير المجرد. فحقائب تُحجز قبل وصولها إلى المتاجر، وساعات تُطلب بأسمائها التجارية، وسيارات فاخرة تُشترى أحياناً قبل تجربتها فعلياً. والصورة تتسع اليوم لتشمل أسواقاً أكثر تنوعاً، من المقتنيات الفاخرة إلى أشياء يومية تتحول فجأة إلى رموز اجتماعية بأسعار مبالغ فيها.
في عالم الاقتصاد، لا تُعدّ هذه الظاهرة مفارقة عابرة، بل قاعدة معروفة تحمل اسم ”تأثير فيبلين“.
فحين يتحول السعر من عائق أمام الشراء إلى إشارة على المكانة والندرة، يتوقف المنتج عن أن يُشترى لوظيفته وحدها، ويبدأ في أن يُشترى لما يقوله عن صاحبه أمام الآخرين. عندها يفقد الاقتصاد التقليدي بعضاً من منطقه البسيط، ويكشف السلوك الاجتماعي عن طبقة أعمق من الدوافع.
في الاقتصاد التقليدي، القاعدة معروفة: كلما ارتفع السعر، تراجع الطلب. غير أن بعض السلع في أسواق مثل الرياض وجدة ودبي تسلك مساراً معاكساً تماماً؛ إذ يزداد إقبال فئة معينة من المستهلكين عليها كلما ارتفع سعرها.
هذا السلوك يُعرف بـ ”تأثير فيبلين“ «Veblen Effect»، وهو مرتبط بمفهوم أوسع يُسمى ”الاستهلاك التفاخري“ «Conspicuous Consumption»، حيث يتحول السعر المرتفع نفسه إلى جزء من قيمة السلعة، باعتباره إشارة على الثروة والمكانة الاجتماعية. وقد تناولت دراسات اقتصادية هذا النمط بوصفه إستخداماً للسلع كأداة لإظهار الوضع الاجتماعي، ومنها أبحاث صادرة عن كلية كولومبيا لإدارة الأعمال.
يعود المفهوم إلى الاقتصادي وعالم الاجتماع الأمريكي ثورستين فيبلين، الذي طرحفكرة ”الاستهلاك التفاخري“ في كتابه الشهير ”نظرية الطبقة المترفة“ الصادر عام 1899.
لاحظ فيبلين أن بعض المستهلكين لا يشترون السلع لمنفعتها فحسب، بل لأنها تحمل رسالة ضمنية: ”أنا قادر على تحمّل هذا السعر“. وبهذا المعنى، تتحول الأشياء إلى لغة صامتة يتحدث بها أصحابها دون كلام.
وفي السياق الخليجي، يظهر هذا جلياً في الأعراس والتجمعات الاجتماعية، بل وفي الحياة اليومية داخل المولات والمطاعم الراقية. فالسيارة لم تعد مجرد وسيلة تنقّل، والساعة لم تعد أداة لمعرفة الوقت، والحقيبة لم تعد غرضاً عملياً بحتاً؛ بل تحولت جميعها إلى إشارات اجتماعية عن الذوق والمكانة، وأحياناً عن ”النجاح المبكر“.
لكن هذه الرمزية لا تقتصر على السلع الفاخرة وحدها، بل تمتد أحياناً إلى أشياء لا تُصنَّف أصلاً كمنتجات فاخرة، وتُباع رغم ذلك بأسعار مبالغ فيها بسبب ندرتها أو دلالتها الاجتماعية.
في السوق المحلية، تتعدد الأمثلة على تحول المنتج إلى رمز اجتماعي يتجاوز غرضه الأصلي:
- لوحات السيارات المميزة: رقم بسيط أو متكرر أو ذو دلالة خاصة قد يُباع في المزادات بمبالغ تصل إلى مئات الآلاف أو حتى الملايين. هنا لا يشتري المرء المعدن، بل ”هوية مرئية“ على الطريق.
- أرقام الجوال المميزة: بعض الأرقام السهلة الحفظ أو المتسلسلة تُباع بأضعاف قيمتها التقنية، لأنها تصبح جزءاً من الصورة الشخصية أمام الآخرين.
- الإبل والسلالات النادرة: في المزادات التراثية، قد تصل أسعار بعض الإبل إلى أرقام ضخمة، لا بسبب جودتها بالمعنى المعتاد، بل لعراقة السلالة وندرتها ونقاء النسب، إلى جانب ما تمثله من مكانة اجتماعية وإرث ثقافي.
- الفقع والتمور الفاخرة: رغم كونها منتجات غذائية، تُباع بعض الأصناف النادرة أو الموسمية بأسعار مرتفعة جداً، خصوصاً في مواسمها، إذ تتحول إلى رمز للكرم وسعة اليد.
هذه الأمثلة تكشف حقيقة مهمة: تأثير فيبلين لا يقتصر على الساعات والحقائب، بل قديظهر في أي شيء يتحول إلى رمز اجتماعي.
تخيل ساعتين تؤديان الوظيفة ذاتها: إخبارك بالوقت. إحداهما بسيطة ومتاحة للجميع، والأخرى فاخرة قد يصل سعرها إلى عشرات الآلاف من الريالات. وظيفياً، لا فرق يُذكر بينهما. لكن اجتماعياً، الفارق شاسع.
فمشتري الساعة الفاخرة غالباً لا يشتري الوقت، بل يشتري التصميم والحرفية، وصعوبة الحصول عليها، واسم العلامة التجارية، والأهم من ذلك كله: الصورة الاجتماعية التي تعكسها في المناسبات واللقاءات.
وهنا تتشكل معادلة واضحة: السعر المرتفع يقود إلى الندرة، والندرة تقود إلىالحصرية، والحصرية تقود إلى المكانة، والمكانة تقود إلى الرغبة.
نفس المنطق ينطبق على حقائب مثل ”بيركين“ من ”هيرميس“، التي لا تُنظر إليها كمنتج جلدي فحسب، بل كرمز واضح للتميّز. فجزء كبير من قيمتها لا يأتي من جودة التصنيع وحدها، بل من صعوبة الحصول عليها وقوائم الانتظار الطويلة ومحدودية توفرها. والمفارقة أن هذه الحقائب قد تفقد جزءاً من جاذبيتها إن أصبحت متاحة للجميع.
السؤال يبدو بسيطاً في ظاهره: لماذا يدفع شخص عشرات أو مئات الآلاف في ساعة أو سيارة، أو حتى في رقم لوحة أو رقم جوال أو ناقة نادرة أو صندوق فقع؟
الإجابة ليست واحدة، بل مزيج من جودة حقيقية أو ندرة فعلية، وتجربة استخدام مختلفة، وقيمة اجتماعية غير مرئية. فهناك من يشتري السيارة لأنها وسيلة تنقّل، وآخر يشتريها بحثاً عن تجربة قيادة مختلفة، وثالث يشتريها لأنها رسالة واضحة أمام الزملاء والأقارب. والأمر ذاته ينطبق على الأرقام المميزة والمقتنيات النادرة، حيث تتداخل هذه الدوافع غالباً فيما بينها.
ولهذا لا يمكن اختزال ظاهرة الأسعار المبالغ فيها في التباهي وحده، فجزء منها مرتبط بالوظيفة الفعلية، وجزء آخر بما وصفه فيبلين بأنه ”قيمة أن يعرف الآخرون أنك تملك هذا الشيء“.
في الأسواق التقليدية، يعني التخفيض زيادة الطلب. لكن في عالم الرمزية الاجتماعية، الصورة معكوسة تماماً. فإذا انخفض سعر رقم مميز أو سلعة رمزية بشكل كبير، فقد تفقد جزءاً من قيمتها الاجتماعية، لأن الندرة التي كانت تميزها لم تعد واضحة.
ولهذا السبب، تعتمد كثير من هذه الأسواق على المزادات، أو البيع المحدود، أو التسعير المرتفع أصلاً، لأن السعر هنا ليس مجرد رقم، بل جزء أصيل من ”الهوية“ التي يحملها المنتج.
في هذه الأسواق، لا يكفي أن يكون الشيء جيداً، بل يجب أن يكون مميزاً أو نادراً أو صعب المنال، سواء عبر أرقام محدودة، أو سلالات نادرة، أو مواسم قصيرة، أو مزادات تنافسية. والهدف من ذلك ليس منع الشراء بحد ذاته، بل خلق فجوة بين الرغبة والإتاحة، وهذه الفجوة تحديداً هي ما يرفع القيمة في ذهن المستهلك.
في الأسواق التقليدية، يدور السؤال حول: ماذا أحصل مقابل ما أدفعه؟ أما في أسواق الرمزية والندرة، فيتحول السؤال إلى: ماذا يقول امتلاكي لهذا الشيء عني أمام الآخرين؟
هنا يتحول السعر إلى لغة اجتماعية. ساعة، سيارة، حقيبة، رقم لوحة، رقم جوال، ناقة، أو حتى صندوق فقع، قد تصبح جميعها رسائل غير مباشرة. فالمستهلك لا يدفع دائماً مقابل المادة فقط، بل أيضاً مقابل القصة التي تحملها، والندرة التي تميزها، والهوية التي تمنحها، ونظرة المجتمع التي يحصدها.
لا يقول تأثير فيبلين إن الناس يعشقون الغلاء لذاته، بل يكشف أن القيمة ليست مادية بحتة في كل الأحوال. ففي بعض الحالات، يصبح السعر جزءاً من المعنى الاجتماعي للشيء، سواء كان ساعة فاخرة أو رقماً مميزاً أو ناقة نادرة أو حتى صندوق فقع في موسمه.
ويبقى السؤال الأهم قائماً: هل نشتري الشيء لأنه يستحق سعره؟ أم أن السعر هو ما يصنع جزءاً من استحقاقه؟
وفي كل مرة نصادف فيها سعراً صادماً لشيء ما في السوق، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: كم يكلف؟ بل: ماذا يقول هذا السعر عمّن يملكه؟
وهنا تحديداً، يتوقف السعر عن كونه رقماً، ليصبح رسالة اجتماعية كاملة.












