حين يصعد الإخلاص، يتنزّل الخير
تأملات في كلمة الزهراء (ع)

تفتح هذه الكلمة أمام الإنسان بابًا للتأمل في حقيقة العبادة، وفي العلاقة بين صفاء النيّة وصلاح الحياة.
في رواية عن السيدة فاطمة الزهراء
: ”من أصعد إلى الله خالص عبادته أهبط الله إليه أفضل مصلحته“. [1]
فالعبادة ليست حركات يؤديها الجسد وحده، ولا كلمات يجري بها اللسان فيما القلب بعيد عن معناها؛ إنما هي توجّه إلى الله، يستحضر فيه العبد حاجته إلى ربّه، ويطلب رضاه، ويجاهد نفسه لتكون طاعته صادقة في مقصدها وأثرها.
وقد يتشابه عملان في صورتهما، ويختلفان في الدافع الذي يقف وراءهما؛ فصدقة تُبذل طلبًا للثناء، وأخرى تُبذل رحمةً بمحتاج وابتغاءً لرضا الله. وكلمة حق يراد بها الظهور، وأخرى يقصد بها الإصلاح. هنا تظهر قيمة الإخلاص؛ إذ يعيد الإنسان إلى السؤال الأعمق: لماذا أفعل هذا؟ ولمن أقدّم عملي؟ وما الذي أرجوه منه؟
الإخلاص أن يتجه القلب إلى الله، وألّا يصبح إعجاب الناس هو الغاية التي تحرّك العمل وتحدد استمراره. وليس معنى ذلك أن الإنسان لا يفرح بكلمة تقدير، أو أن عليه أن يخفي كل خير يفعله؛ فقد يكون إعلان العمل سببًا في تشجيع الآخرين عليه. وإنما موضع المجاهدة أن يبقى رضا الله أصل المقصد، وألّا يتوقف العطاء حين يغيب التصفيق.
ومن هنا يحتاج الإخلاص إلى مراجعة متجددة؛ لأن النفس قد تبدأ العمل بنيّة صالحة، ثم تتعلق بما يجلبه من مكانة أو مدح. وربما انشغل الإنسان بمراقبة أثره في عيون الآخرين، ونسي أثره في قلبه وسلوكه. ولذلك فإن سؤال النيّة لا يخص بداية الطريق وحدها، بل يرافق الإنسان وهو يعمل، وبعد أن يفرغ من عمله.
وحين يقول النص: ”من أصعد إلى الله خالص عبادته“، فإنه يدعونا إلى العناية بما نقدمه إلى الله من صدق، وإلى تنقية العمل من طلب السمعة والتعالي على الناس. فقد يكون العمل صغيرًا في نظر الآخرين، لكنه يحمل رحمة صادقة، وتضحية خفية، وقلبًا لا ينتظر مقابلًا ممن أحسن إليه.
وفي قوله: ”أهبط الله إليه أفضل مصلحته“ معنى يربي الإنسان على الثقة بحكمة الله، مع الاعتراف بحدود معرفته. فنحن نرى جانبًا من الأمور، وقد نتعلق بأمنية نظن أن الخير كله فيها، ثم تكشف لنا الأيام أن تقديرنا كان ناقصًا.
ولا يصح أن نحوّل هذا المعنى إلى وعد بأن المخلص سيحصل فورًا على كل ما يريد، أو أن حياته ستخلو من الألم والابتلاء. كما لا نستطيع أن نجزم بالحكمة الخاصة وراء كل حدث يقع لنا. لكن الإخلاص يمنح القلب وجهة ثابتة وسط ما يتغير؛ فيسعى الإنسان إلى الخير، ويأخذ بالأسباب، ويدعو ربّه، من غير أن يجعل تحقق رغباته العاجلة مقياسًا وحيدًا لقيمة عبادته.
وقد يظهر صلاح الإنسان في بصيرة تعصمه من قرار متسرع، أو في قدرة على الثبات أمام إغراء، أو في شجاعة تدفعه للاعتراف بخطئه وإصلاحه. وهذه معانٍ قد لا تلفت الأنظار، لكنها تمس بناء شخصيته واستقامة مسيرته.
ويمتد هذا المعنى إلى ميادين الحياة كلها؛ فالطبيب الذي يتقن رعاية مريضه، والمعلم الذي يصبر على تلميذه، والوالدان اللذان يحسنان تربية أبنائهما، والموظف الذي يؤدي أمانته، يستطيع كل منهم أن يصل عمله بنيّة صالحة.
وتظهر ثمرة هذه النيّة في السلوك: إتقانٌ حين تغيب الرقابة، ورحمةٌ حين يضعف الطرف الآخر، وإنصافٌ حين تخالف المصلحة الشخصية، واستمرارٌ في الخير حين يقل الشكر. فالإخلاص يحمّل صاحبه مسؤولية أن يوافق عمله ما يدعيه قلبه.
إن كلمة السيدة الزهراء
، كما وردت في النص المنقول، تدعونا إلى عبادة نحضر فيها بقلوبنا، وإلى حياة نراجع فيها مقاصدنا. وكلما صفا القصد، أصبح الإنسان أقدر على العطاء بطمأنينة، وعلى استقبال التقدير بتواضع، وعلى مواصلة الخير دون ارتهان لثناء الناس.
اللهم ارزقنا صدق النيّة، وإخلاص العبادة، وحسن العمل، واهدنا إلى ما يصلح قلوبنا وحياتنا، واجعل رضاك غاية سعينا













: 327 ح177، عدة الداعي، ابن فهد الحلي: 218، بحار الأنوار، العلامة المجلسي: 70/249 ح25.71/183 ح44، العوالم، السيدة الزهراء «س»، ج 2، الشيخ عبد الله البحراني، ص 375، الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء «س»، ج 21، اسماعيل الأنصاري الزنجاني الخوئيني، ص 169، الكوثر في أحوال فاطمة بنت النبي الأعظم