آخر تحديث: 19 / 9 / 2026م - 4:54 م

لم تختر شيئاً في حياتك، وهذا خبر جيد!

أمجد القواعين


دعني أسألك سؤالاً واحداً قبل أن تكمل: القميص الذي تلبسه الآن، من اختاره؟ وإن قلت ”أنا“، فأسألك: لماذا هذا القميص بالذات؟ لأنه يليق عليك؟ ومن علّمك ما الذي ”يليق“؟ لأن لونه يعجبك؟ ومن شكّل ذوقك في الألوان؟ إن تابعت هذا السؤال بصدق لعشرين دقيقة ستصل إلى شخص لم تقرر إنه سيؤثر في قراراتك، لكنه يفعل منذ سنوات وبدون أجر.

نحن نؤمن بعمق أننا نتخذ قراراتنا بأنفسنا. وهذا الإيمان جميل ومريح ويساعدنا على النوم. لكنه غير دقيق تماماً. قراراتنا في معظمها ليست قراراتنا بالكامل، هي مزيج من رأينا الحقيقي وتوقعات من حولنا وذكريات مواقف محرجة مررنا بها وصور رأيناها وجمل سمعناها في الصغر ولم نتذكرها لكنها تذكّرتنا. أنت لا تختار في فراغ، تختار وسط ضجيج اجتماعي لا يتوقف، وكل ما تفعله هو أنك تحاول تسمع صوتك في هذا الضجيج وتتخيل إنه الصوت الوحيد.

خذ مثلاً ذاك الشخص الذي يقول بكل ثقة ”أنا ما أبالي برأي الناس“. وهو يقول هذا أمام الناس، بصوت عالٍ يكفي ليسمعه الناس، ثم ينتظر ردة فعل الناس على جرأته في عدم الاهتمام بالناس. هذا الشخص لا يعيش تحرراً من رأي الناس، هو يعيش لأجل إثبات تحرره من رأي الناس، وهذان شيئان مختلفان جذرياً. من لا يبالي فعلاً لا يُعلن ذلك لأنه لا يفكر في الأمر أصلاً. ومن يُعلنه يفكر فيه طوال الوقت.

وأطرف ما في الأمر أن التمرد نفسه صار ضغطاً اجتماعياً. الجيل الذي قرر يتمرد على توقعات المجتمع أنشأ مجتمعاً جديداً له توقعاته الخاصة: كن ”أصيلاً“، وكن ”مختلفاً“، و”لا تهتم بأحد“. وأصبح هناك ضغط اجتماعي حقيقي لتبدو وكأنك لا تتأثر بالضغط الاجتماعي. المشكلة لم تختفِ، غيّرت ملابسها فقط.

والأمثلة في حياتنا اليومية لا تنتهي. اخترت دراستك؟ أم اخترت ما يجعل أهلك فخورين في مجلس العائلة؟ اخترت سيارتك؟ أم اخترت ما يجعلك تشعر بشيء معين حين تقف أمام إشارة بجانب سيارة صاحبك؟ اخترت مكان سكنك؟ أم اخترت الحي الذي ”يليق“ بمرحلتك في الحياة وفق معيار لم تضعه أنت؟ لا أقول إن كل هذه القرارات خاطئة. أقول إن كثيراً منها ليست قراراتك بالمعنى الكامل، وهذا الفرق يستحق التأمل قبل أن تكمل القرارات القادمة.

وهنا يأتي قلب الطاولة الحقيقي: المشكلة ليست أن المجتمع يؤثر فيك، المشكلة أنك لا تعرف أي جزء منك هو ”أنت“ وأي جزء هو صدى لمن حولك. لأن التأثير الاجتماعي ليس بالضرورة شراً، الإنسان كائن اجتماعي بطبعه وبعض هذا التأثير صحي ومطلوب. لكن حين لا تعرف الفرق، حين تحسب صوت الآخرين صوتك أنت، تقضي سنوات تبني حياة تناسب توقعات ناس لا يعيشونها ثم تتساءل لماذا تشعر بأنها لا تناسبك.

والسؤال الأخير الذي لن تحبه: حين قررت تقرأ هذا المقال، من اختار؟ أنت؟ أم أن العنوان صُمِّم ليجعلك تضغط؟ ونلتقي هنا في نقطة مضحكة: أنت تقرأ عن حريتك في اختيار لم تختره، وأنا أكتب عن استقلاليتك لجمهور أحاول إرضاءه. والاثنان يدّعيان الحرية. وهذا المقال نفسه، الذي أقنعك أن تفكر في من يؤثر فيك، أثّر فيك.