آخر تحديث: 19 / 9 / 2026م - 4:54 م

ترفٌ بأثرٍ رجعي

فوزي آل غريب *


مررتُ اليوم أمام بيتنا القديم…

لم أعرف:
أأنا الذي عدتُ إليه،
أم أن طفولتي
هي التي خرجت من بابه
لتستقبلني؟

كان أصغرَ مما أتذكّر،
وأكبرَ من أن يتّسع له قلبي.

وقفت أمامه طويلًا،
كأنني أنتظر أن يُفتح الباب،
وأن يطلّ أبي
بوجهه الذي كان يمنح البيت هيبته،
ثم يسألني بصوته المطمئن:

أين كنت؟

فأعود طفلًا
لا يعرف من الدنيا
إلا أن أباه في البيت،
وأن هذا وحده
يكفي ليشعر بالأمان.

يا أبي…

كم كنتَ عظيمًا
حين كنّا صغارًا،
نراكَ كبيرًا في أعيننا،
دون أن نعرف
أن ما نراه فيك
كان هو العظمة.

كنّا نظنّ أن يدك،
التي تصلح ألعابنا المكسورة،
قادرةٌ على إصلاح العالم كلّه.

وأنك لا تتعب،
ولا تخاف،
ولا تنكسر.

لم نكن نعرف
أن خلف ذلك الوجه الصلب
رجلًا يحمل نهاره على كتفيه،
ويعود كل مساء
فيخلع تعبه عند الباب،
كي لا يدخل الحزن معنا إلى البيت.

وفي الداخل…

كانت أمّي.

لم تكن تسكن البيت؛
كان البيت يسكن فيها.

رائحة الطعام في يديها،
صوتها من آخر الممر،
دعاؤها الذي كان يسبقنا
إلى أبواب الحياة،
وخوفها علينا
إذا تأخرنا دقائق،
كأن الدنيا كلّها
خرجت تبحث عنّا.

كانت تغضب،
فنضحك بعد قليل.

تنادينا،
فنتظاهر أننا لم نسمع.

وتقول:
لا تتركوا المكان هكذا…

فنتركه هكذا.

واليوم…

أعطي نصف عمري
لأسمع ذلك العتاب مرةً أخرى.

أعطي هذا الصمت كلّه
مقابل صوتها
وهي تناديني من المطبخ.

وأعطي ما بقي من سنواتي
لجلسة واحدة بقربها،
لا أنظر فيها إلى الساعة،
ولا أخشى أن ينتهي المساء.

وفي تلك الغرفة…

كان أخي.

شريكي الأول
في اللعب،
والخصام،
والعقاب الذي لم نكن نعرف
أيّنا يستحقه أكثر.

كم تشاجرنا على أشياء
لم يبقَ منها شيء،
وكم غضبنا من بعضنا
غضبًا لم يكن يعرف
كيف يعيش أكثر من دقائق.

كان بيننا سرير،
وبضع ألعاب،
وحكايات قبل النوم،
وأسرار صغيرة
كنّا نحرسها
كأن العالم كلّه
يتوقف عليها.

كبرنا يا أخي…

وصارت الحياة بيننا
أطول من ذلك الممر الصغير.

لكنني كلما عدت إليه في ذاكرتي
أراك كما كنت:

صبيًا يركض أمامي،
يلتفت،
يضحك،
ثم يختفي خلف الباب.

وأختي…

كانت ضحكة البيت.

كم أغضبناها،
وكم أغضبتنا،
ثم إذا بكت
وقفنا جميعًا أمام دمعتها
عاجزين،
كأن البيت كلّه
أصابته غصّة.

كانت أشياء صغيرة…

مائدة تجمعنا،
أكواب شاي،
تلفاز قديم،
أصوات تتداخل،
باب يُفتح ويُغلق،
أمّ تنادي،
أب يسأل،
أخ يضحك،
وأخت تشتكي…

ونحن؟

كنّا نستعجل أن نكبر.

يا لغبائنا الجميل.

كنّا ننظر إلى الغد،
ولا نرى أن العمر
كان جالسًا معنا إلى المائدة.

كنّا نريد غرفًا أكبر،
وبيوتًا أجمل،
وحياةً أوسع.

ثم كبرنا.

اتّسعت الغرف،
وضاقت المائدة.

صار لكل واحدٍ منّا
بابه،
ومفتاحه،
وحياته.

وامتلكنا أشياء كثيرة،
إلا شيئًا واحدًا
لم نستطع استعادته:

أن نكون جميعًا
تحت سقف واحد.

اقتربت من النافذة القديمة…

فرأيتني.

طفلًا صغيرًا
يلصق وجهه بالزجاج
وينتظر أبي.

ورأيت أمّي
تمرّ خلفه،
وتطلب منه أن يبتعد عن النافذة.

ورأيت أخي
يركض في الممر.

وأختي
تحمل لعبتها،
وتصرخ لأن أحدًا
أخذ منها شيئًا.

وسمعت ضحكاتنا…

كانت قريبةً جدًا،
إلى الحد الذي جعلني
ألتفت خلفي.

لم يكن هناك أحد.

فقط رجلٌ كبر،
يقف أمام بيتٍ
ترك فيه طفلًا
منذ سنوات طويلة.

مددت يدي إلى الباب…

ثم سحبتها.

خفت أن ألمسه
فيسقط الماضي من مكانه.

خفت أن يصبح الباب
مجرد باب،
والنافذة
مجرد نافذة.

وخفت أن أعرف
أن الذين أسمع أصواتهم
لا يقفون خلف الجدار…

بل خلف العمر.

تركت يدي تسقط إلى جانبي،
وأغمضت عيني.

فعاد أبي إلى مكانه.

وعادت أمّي إلى المطبخ.

وعاد أخي يركض في الممر.

وعادت أختي تضحك.

وعدت أنا…

صغيرًا.

صغيرًا جدًا…

لا أعرف شيئًا
عن الفقد،
ولا عن الغياب،
ولا عن السنوات
حين تمضي بين الإنسان
وبين أحبّ الأشياء إلى قلبه.

كنت أعرف شيئًا واحدًا فقط:

أن المساء سيأتي،
وأننا سنجتمع.

فتحت عيني…

كان البيت صامتًا.

لكن شيئًا في داخلي
لم يكن كذلك.

أدركت أننا
لم نغادر بيتنا القديم تمامًا.

أخذ كل واحدٍ منّا
شيئًا منه معه.

أبي
بقي سقفًا في الذاكرة.

وأمّي
تركت دفأها
في تفاصيل أيامنا.

وأخي
بقي ضحكةً
تعبر السنوات.

وأختي
بقيت صوتًا
يعيد إلى البيت حياته
كلما مرّ في الذاكرة.

أما أنا…

فتركت هناك
طفلًا صغيرًا
عند الباب.

ما زال ينتظر.

يظن أن الجميع
سيعودون مساءً،

وأن المائدة ستجمعنا،

وأن أبي
سيجلس في مكانه،

وأن أمّي
ستنادي أسماءنا
واحدًا واحدًا،

وأن أخي سيضحك،

وأن أختي
ستشتكي منّا،

وأن الليل سيمضي…

ثم نصحو غدًا
ونفعل الأشياء نفسها.

لم يخبرنا أحد
أن بعض الأيام
حين تمضي
لا تعرف طريق العودة.

لم يخبرنا أحد
أن الأشياء التي حسبناها عادية:
صوتًا من المطبخ،
خطواتٍ في الممر،
ضحكةً من غرفة،
سؤال أبٍ عند الباب،
ومائدةً تضيق بنا جميعًا…

ستصبح يومًا
أبعد أمنياتنا.

كنا نعيش العمر
ونظن أننا
ننتظره.

وكان أجمل ما نملك
يحدث أمامنا،
هادئًا،
بسيطًا،
كل يوم…

ونحن نستعجل الغد.

ليت أحدًا أخبرنا آنذاك
أن تلك الأيام
لم تكن أيامًا عادية.

كانت العمر.

وأن بيتنا القديم
لم يكن بيتًا قديمًا…

كان وطننا الأول.

كان أبي سقفه،
وأمّي دفأه،
وإخوتي نوافذه،

ونحن الصغار…

كنّا الضوء الذي يملؤه.

ثم كبر الضوء…

وتفرّق.

وبقي البيت هناك.

بابه في مكانه،
ونافذته في مكانها،
والصمت يسكن الغرف
التي كانت تضيق بأصواتنا.

لا ينتظر عودتنا…

ولا يسأل أين كنّا.

إنما يحرس، بصمت،
مساءً قديمًا
تركناه مضاءً
في آخر الذاكرة.

وفي ذلك المساء…

ما زال أبي في مكانه،
وأمّي تنادينا،
وأخي يركض في الممر،
وأختي تضحك،

وطفلٌ صغير
يقف عند الباب…

لا يعرف بعد

أن الجميع
سيكبرون.