آخر تحديث: 18 / 9 / 2026م - 11:27 ص

الساحل والاستثمار المستدام

ياسين آل خليل


كتبنا كثيرا عن تاروت، عن تاريخها الضارب في القدم، ونخيلها وعيونها، وقلعتها وأحيائها القديمة، وعن البحر والمانجروف والنحل وما تختزنه هذه الجزيرة العريقة من ذاكرة طبيعية وإنسانية ثرية. لكن تاروت ليست ماضيا نستعيده ونحتفي به فقط، هي أيضا مساحة للمستقبل، ولعل شواطئها تمثل اليوم واحدة من أهم الفرص التي تستحق أن ينظر إليها بعين مختلفة، عين الاستثمار الذي يصنع المكان، ويضيف إلى هوية الجزيرة بعدًا آخر يجعلها على قائمة أفضل المدن السياحية والتاريخية التي تستحق أن يعتني لها الجميع.

قد أدرك بعض المستثمرين مبكرا قيمة المواقع الساحلية، فلم ينظروا إلى الأرض المشاطئة للبحر مجرد أرض تنتظر البناء، وإنما رأوا فيها موقعا يمكن أن يتحول إلى وجهة. من هذه الرؤية جاء مشروع C-front, الذي أظهر بعد افتتاحه أن الاستثمار الجيد لا يبدأ دائما من المكان المكتمل، لكن هو الذي يمنح المكان قيمة جديدة، ويجعل الناس يعيدون اكتشاف منطقة كانوا يمرون بجوارها دون أن يتوقفوا عند إمكاناتها.

هذه التجربة تفتح أمامنا سؤالا أكبر.. إذا نجح الاستثمار في جزء من الساحل، ألا يدفعنا الفضول أن ننظر إلى بقية الشواطئ في تاروت بالعين نفسها؟ فالجهة الشمالية من الجزيرة، لا سيما المناطق المواجهة للتركية الصناعية وما حولها، تمتلك مواقع تستحق دراسة جادة لإعادة تشكيلها عمرانيا واستثماريا. هذه المساحات من الأراضي يمكن أن تحتضن مستقبلا خرافيا من المجمعات التجارية والسياحية، والمطاعم والمقاهي المطلة على كورنيش البحر، وممرات للمشاة، ومساحات عامة ومشاريع ترفيهية وخدمية تجعل الساحل مقصدا جاذبا للزوار والسياح من الداخل والخارج.

المطلوب هنا ليس ملء الساحل بالمباني الجامدة الفاقدة للجدوى الاقتصادية، فهذه أسهل صور الاستثمار وأقلها خيالا، وإنما صناعة واجهة بحرية متكاملة تحترم طبيعة المكان وتمنح الإنسان حقه في البحر. نريد استثمارا يؤنسن هذه الأرض ويترك مساحة للمشي وممارسة الأنشطة المختلفة في أجواء مريحة من المشهد المفتوح، يستفيد من مجمل الخصائص البيئية للجزيرة، ويجعل من الإعمار والتشجير والخدمات أجزاء من هوية متكاملة واحدة. عندها ترتفع قيمة الأرض، وتولد فرص استثمارية ووظيفية جديدة، ويصبح المشروع مكسبا للمستثمر والسكان والمدينة في آن واحد.

من هنا تأتي الدعوة إلى المستثمرين ورواد الأعمال وأصحاب الرؤى بعيدة المدى أن ينظروا إلى شمال تاروت، الممتدة من طرف ال C-front الجنوبي إلى الجامعيين ”ج“، بعين المستثمر الواثق المتطلع إلى المستقبل والذي يرى ما لا يراه كثيرون وما يمكن أن يصبح عليه المكان بعد عشر سنوات أو أكثر. العديد من الوجهات الناجحة التي نتمنى زيارتها اليوم لم تكن كذلك في بداياتها، الذي صنع قيمتها أن أحدا من المستثمرين المهتمين بالتطوير امتلك الجرأة وتلقف الفرصة فحصد ما حصد.

الاستثمار الخاص لا يستطيع صناعة هذا التحول وحده. فهناك دور أساسي للجهات التنظيمية والتخطيطية والبلديات ذات العلاقة في دراسة المنطقة بوصفها وحدة عمرانية متكاملة. من القضايا التي تستحق الدراسة الجادة إمكانية نقل «التركية الصناعية» مستقبلا إلى موقع أكثر ملاءمة للأنشطة الصناعية وأبعد عن الامتداد السكني والساحلي. المسألة ليست نقل نشاط من مكان إلى آخر، بقدر صوابية الرؤية المستقبلية والجدوى الأمثل في استثمار واستخدام الأرض لعقود قادمة.

إذا أصبح النقل خيارا ممكنا من الناحية البيئية والاقتصادية، فإن الأرض التي ستتحرر لا ينبغي أن تعاد إلى دورة التخطيط التقليدي، ولكن أن تكون فرصة حقيقية لإعادة رسم هذا الجزء من الجزيرة بالكامل: أحياء سكنية حديثة، مشاريع ضيافة وترفيه، وسلاسل من أسواق التجزئة العالمية والمطاعم والسوبرماركتات، هذا بالإضافة إلى مساحات خضراء، ومرافق عامة، وامتداد ساحلي مفتوح لعامة الناس من المقيمين والسياح. هكذا يمكن أن تنشأ منطقة جديدة تتجانس فيها الحياة السكنية مع السياحة والتجارة والترفيه، بدلا من التجاور غير المتناغم بين الأحياء السكنية والأنشطة الصناعية.

هذا التفكير ليس ترفا عمرانيا، لكنه انسجاما مع التحولات الكبرى التي تعيشها المملكة في ظل رؤية السعودية 2030، حيث أصبحت جودة الحياة، وتنويع الاقتصاد، واستثمار المقومات المحلية، وصناعة الوجهات، وإشراك القطاع الخاص عناصر أساسية في بناء المدن الحديثة. تاروت بما تمتلكه من تاريخ وموقع وبحر وبيئة وكثافة سكانية، ليست بحاجة إلى اختراع مقومات الجذب من الصفر، فالكثير منها موجود بالفعل، ما تحتاجه هو رؤية تجمع هذه المقومات وتحولها إلى مشاريع حديثة تعيد صياغة مفهوم الاستدامة المستقبلية.

لقد ورثنا تاروت بتاريخها ونخيلها وعيونها وبحرها، ومن حق الأجيال القادمة علينا ألا نورثها الذكريات وحدها. ربما الاستثمار الحقيقي في تاروت اليوم هو أن نحسن قراءة شواطئها، وأن نصنع على أطراف بحرها العذري مستقبلا يليق بها كجزيرة حملت آلاف السنين من التاريخ والإرث الثقافي، وما زالت تملك مساحة واسعة لكتابة فصل جديد يروي قصة حلم حضاري أوشك أن يتحقق على هذه الأرض الواعدة والعظيمة برجالها وقادتها.