حين تتحول الحرفة إلى رزق

لم تكن الحرفة عند أجدادنا هوايةً أو تسلية أو ممارسة في أوقات الفراغ، ولم تكن وسيلةً لإظهار الموهبة أو المشاركة في مسابقة أو إنتاج قطعة جميلة نحتفظ بها للذكرى، كانت الحرفة بالنسبة إليهم بقاءً وجزءًا مهمًا من الحياة.
كان الإنسان يمارس ويتعلم صنعةً ليعيش ويكدّ منها، ويعمل بها، ويأكل من رزقها، ويعيل أهله وعياله، ويطوّر بها حياته وحياة المكان الذي يعيش فيه، فكان هناك العديد من الحرف الضرورية التي يحتاجها المجتمع: الخياط، والحداد، والقصاب، والنجار، والقهوجي، والطباخ، والمزين أو المحسن، والقطان، والنداف، والنخلاوي، والمزارع، والصفار، والقلاف، والبناء، والنقاش، والقفاص، والغوّاص، والمسجن، والمغسل، والبحّار، والنهّام، والنوخذة، والطواش، والخراز، والمرّاخ، والإسكافي، والخضار، والغراش، والحكواتي، والخطاط، والناسخ، والتناك، والخرَّاق، والسماك، والدلال، والحملدار، والخباز، والنقدة، والحصار، والمداد، والقراقير، وشبك الصيد، والراعي، والعطار، والوزان، والحياك، والدباس، والمعلّم أو المطوّع، والتاجر، والحواج، والخواص، والساعاتي، وغيرها الكثير، وكل واحد منهم كان يحمل معرفةً اكتسبها بالنقل أو الممارسة، ثم حوّلها إلى عمل نافع له ولأسرته ولمجتمعه.
الحداد يصنع ما يحتاجه الناس من أدوات معدنية، والنجار يصنع الأبواب والنوافذ والأثاث الخشبي، والبناء يعرف الطين والجص والحجر والخشب، والنقاش يزيّن الأبواب والبيوت، والطواش، والصياد، والغواص، والبحّار، والقلاف يمارسون مهنًا مرتبطة بالبحر، والتاجر يسافر من مكان إلى آخر بحثًا عن السلع وتبادلها، وهي حلقة مترابطة لا تنتهي.
ولم يكن السفر عندهم مجرد رحلة، فقد كان وسيلة للتجارة والتعلّم والتعرّف على أساليب جديدة في العمل، يذهب أحدهم إلى اليمن، أو إلى الحجاز، أو الهند، أو شمال أفريقيا أو شرقها أو غيرها من المناطق، يحمل بضاعة ويعود بأخرى، وربما عاد أيضًا بمعرفة أو خبرة جديدة أو فكرة جديدة أو أسلوب في الصناعة، وهكذا كانت المهنة معرفةً، والمعرفة عملاً، والعمل مصدر أمان ورزق.
اليوم تغيّرت الحياة، وتغيّرت معها طبيعة العمل، لكن الفكرة الأساسية ما زالت قادرة على الحضور بصورة جديدة، فإذا تعلّم الإنسان فن التصوير، أو الخط العربي، أو النقش على الجبس، أو البناء بالطين وصيانة المباني، أو النجارة، أو صناعة المنتجات التراثية، فلماذا نتوقف عند حدود ممارسة الهواية أو عرض المنتج في فعالية هنا وهناك؟ لماذا لا تكون الخطوة التالية هي التفكير في تحويل هذه المهارة إلى منتج، ثم إلى مشروع، ثم إلى مصدر دخل؟ ليس المقصود أن تتحول كل هواية بالضرورة إلى تجارة، فالهواية في حد ذاتها قيمة ومتعة، لكن من الجميل أن نفتح بابًا آخر أمام من يمتلك المهارة ويرغب في تطويرها مهنيًا.

فالإنسان قد يعمل في وظيفة، ويمارس في الوقت نفسه هواية يحبها، ثم يكتشف أن هذه الهواية يمكن أن تتحول إلى منتج يقدمه للناس وللسوق، ويحصل من خلالها على دخل إضافي، وهذا لا يقلل من شأنه، ولا يضعه في خانة أقل، ولا ينتقص من مكانته الاجتماعية أو المهنية، بل على العكس، قد يكون دليلًا على قدرته على استثمار وقته، وتطوير موهبته، وتحويل معرفته إلى قيمة يستفيد منها ويستفيد منها الآخرون، فالذي يصور، أو يخط، أو ينقش، أو يصنع بيديه، ليس مطالباً بأن يظل ما يفعله مجرد هواية، وإذا وجد الناس قيمة في عمله وأصبحوا مستعدين لدفع المال في مقابله، فلماذا لا يتحول هذا الشغف إلى دخل إضافي، وربما إلى مشروع مستقل في المستقبل؟
ولعل أجمل ما في الأمر أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى أن يترك عمله الأساسي حتى يبدأ.
يمكن أن يبدأ بخطوة صغيرة، بأدوات بسيطة، مثل تذكار جميل، قطعة يصنعها، صورة يبيعها، خدمة يقدمها، أو منتج يطوره، ثم ينمو الأمر مع الخبرة والطلب، حتى تصبح الهواية موردًا اقتصاديًا حقيقيًا، فليس كل ما نفعله من أجل المال يفقد قيمته، وليس كل ما نفعله بشغف يجب أن يبقى بعيداً عن السوق، على العكس، قد يكون تحويل الهواية إلى عمل فرصة لأن تنتقل المهارة من نطاق الفرد إلى نطاق أوسع، فتخلق منتجًا، وتفتح بابًا للرزق، وربما توفر فرصة عمل لآخرين، فالمصور يمكن أن يقدم خدمات ومنتجات بصرية، والخطاط يمكن أن ينتج أعمالًا فنية وقطعًا مخصصة، والنقاش يمكن أن يعمل في تصميم وتنفيذ الزخارف الخشبية والجصية، ومن يتقن البناء بالطين يمكن أن يدخل في مشاريع الترميم أو البناء المستلهم من العمارة التقليدية، ومن يعرف صناعة المنتجات التراثية يستطيع أن يطوّرها، ويحسّن جودتها، ويقدمها للسوق بصورة معاصرة راقية، وهنا تنتقل الحرفة من كونها مهارة فردية إلى قيمة اقتصادية.

ولعل ما يستحق أن نتوقف عنده أن لدينا عشرات، بل مئات الحرف والمهن التي تستحق الاهتمام وإحياءها من جديد، ليس فقط باعتبارها جزءًا من الذاكرة والتراث، وإنما باعتبارها فرصًا يمكن أن تتحول إلى صناعات تنتج وتوفر رزقًا يُعاش منه.
فالصنعة الواحدة لا تقف بالضرورة عند حدود حرفة واحدة، بل يمكن أن تتوالد منها حرف ومهن متعددة، من التصميم والتصنيع إلى التغليف والتسويق والتصوير والنقل والبيع، فتتشكل حولها منظومة اقتصادية صغيرة قابلة للنمو.
إن سوقها لا ينبغي أن يتوقف عند حدود البيع المحلي، فمع التقنيات الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي أصبح من الممكن أن يصل المنتج إلى أسواق أوسع، وأن يُعرَّف به، ويُسوَّق له، ويُروَّج له بصورة احترافية، حتى تتجاوز الحرفة حدود المكان الذي ولدت فيه، وهنا تأتي أهمية أن يتعلم صاحب الحرفة أدوات عصره، ومن بينها الذكاء الاصطناعي، وأن يتقنه بما يناسب صنعته وحاجته، فالذكاء الاصطناعي ليس أداة واحدة تؤدي وظيفة واحدة، فلكل تطبيق قدراته وخدماته، ولكل أداة قيمتها واستخدامها ودرجة احترافيتها. وما يحتاجه المصور قد يختلف عما يحتاجه الخطاط، وما يناسب المصمم قد لا يكون هو نفسه ما يحتاجه الحرفي أو صاحب الورشة، المهم أن تصبح التقنية مساندة للحرفة، لا بديلاً عن الحرفة، تساعد صاحبها على تطوير المنتج، والتعريف به، وتصويره، وتسويقه، والوصول إلى جمهور أوسع، وإدارة بعض أعماله بكفاءة أكبر.
قد تبدأ من شخص واحد، ثم تحتاج إلى أدوات، ثم إلى مكان، ثم إلى عامل أو متدرب، ثم تتحول إلى ورشة، وربما إلى مصنع صغير أو علامة تجارية، وهكذا لا يعود صاحب الحرفة مستهلكاً للمعرفة فقط، بل يصبح منتجًا لها، ومشغّلًا لغيره، ومساهمًا في الاقتصاد المحلي.
وهذا هو أحد الأبواب الجميلة التي يمكن أن تفتحها رؤية المملكة العربية السعودية 2030: أن ننظر إلى المهارات والحرف والإبداع ليس بوصفها موروثًا نحافظ عليه فحسب، وإنما بوصفها أيضاً طاقات يمكن تطويرها واستثمارها وخلق فرص اقتصادية منها.

والأجمل أن هذا التحول لا يعني أن نفقد روح الحرفة، على العكس، يمكن أن تبقى المعرفة القديمة هي الأساس، بينما تتطور الأدوات، وتتغير أساليب التسويق، وتتوسع الأسواق، فالحرفي القديم كان يصنع ليعيش، ونحن اليوم نستطيع أن نعيد الفكرة نفسها بلغة عصرنا:
نتعلم لننتج، وننتج لنعيش، ونطوّر لنستمر. ولعل الفرق الوحيد أن أجدادنا كانوا يفعلون ذلك بصورة تلقائية، لأن الحياة كانت تفرض عليهم أن يتقنوا صنعةً يعتمدون عليها، أما نحن، فلدينا فرصة أكبر لأن نختار ما نحب، ثم نتعلمه، ثم نتقنه، ثم نفكر في قيمته، ثم نحوله إلى منتج قابل للحياة.
فليس عيبًا أن تتحول الحرفة إلى تجارة، ولا أن يتحول الإبداع إلى مصدر رزق، بل ربما يكون أجمل ما يمكن أن يحدث للحرفة أن تظل حية في أيدي الناس، وأن يجد صاحبها فيها متعةً ورزقًا، وأن تفتح لغيره بابًا للعمل أيضاً، فالحرفة التي تعيش في المعارض فقط قد تبقى ذكرى جميلة، أما الحرفة التي تدخل السوق وتجد من يشتري منتجها ويستخدمه ويطلب المزيد منه، فهي حرفة تملك فرصة حقيقية للاستمرار، وكما كان أجدادنا يصنعون من مهاراتهم حياةً، يمكننا اليوم أن نصنع من مهاراتنا مستقبلًا.
نستمتع بما نحب، ونكسب مما نتقن.














