آخر تحديث: 17 / 9 / 2026م - 11:06 ص

كلاسيكو العاجز!

سراج علي أبو السعود *


الظلم والتكبر وبخس الناس حقوقهم أمور قبيحة، وكثير من الناس لا يفعلونها. لكن السؤال الجدير بالتأمل هو: هل يترك الإنسان هذه الأمور لأنها قبيحة فعلًا، أم لأنه لا يستطيع فعلها؟ قد يرى الإنسان أصحاب الكبائر فيتعجب من أفعالهم ويستنكرها، وهذا أمر حسن، لكن الأهم أن يعرف باطنه جيدًا: هل الذي يمنعه من تلك الذنوب تقواه حقًا، أم عدم قدرته عليها؟ وماذا لو امتلك القدرة؟ لعل ابتلاء القوة والنفوذ والمال أشد ضراوة أحيانًا من ابتلاء الفقر والمرض؛ فالفقر والمرض يدفعان الإنسان في الغالب إلى التمسك بأمله في الله والتضرع إليه لكشف الضر عنه، أما حين تُفتح له أبواب الدنيا وملذاتها، فإنه يواجه امتحانًا من نوع آخر: أن يكون قادرًا على فعل ما يشاء، ثم يقف بين قدرته وفعله وازعه الديني والقيمي. عندئذ قد يكتشف الإنسان حقيقة لم يكن يعرفها عن نفسه: هل كان تقيًّا، أم كان عاجزًا فحسب؟

الحقيقة أنَّ التنافس في التقوى عند بعض الناس أشبه بالتنافس بين ريال مدريد وبرشلونة؛ مباراة لها جمهورها، وفيها من يريد أن يخرج دائمًا حاملًا للكأس! فإن ذُكر أمامه فعل خير، سارع إلى إخبار الحاضرين بأنه فعل مثله، وربما أكثر منه، وإن تعذر عليه دخول المنافسة لقلة ذات اليد، فلا أقل من أن ينتقل إلى المدرجات ويوزع بطاقات النقد على اللاعبين! غير أن في المسألة سؤالًا أكثر إزعاجًا: هل كل من لم يرتكب خطيئة كان تقيًّا فعلًا؟ فالذي يعيب على صاحب المال إسرافه، هل امتلك يومًا مالًا يستطيع أن يسرف فيه ثم امتنع؟ والذي يستنكر استغلال صاحب النفوذ لنفوذه، هل أصبح يومًا نافذًا ثم عدل؟ والذي يحدّث الناس طويلًا عن العفة، هل عُرضت عليه الفتنة وتمكن منها ثم تركها لله؟ والذي يتحدث عن العفو والتسامح، هل امتلك يومًا القدرة على الانتقام ثم عفا؟ ليس المقصود تبرير الخطايا؛ فالخطأ يبقى خطأ، ولا تتحول المعصية إلى فضيلة لأن صاحبها كان قادرًا عليها، وإنما المقصود أن نتوقف قليلًا قبل أن يتحول استنكار الذنب إلى شعور بالتفوق على المذنب؛ لأن بعض الناس يخوضون امتحانات لم ندخل قاعاتها أصلًا.

من السهل أن يكون المرء زاهدًا في شيء لم يملكه، وعفيفًا عن شيء لم يُعرض عليه، وعادلًا في سلطة لم يتولها، ومتسامحًا مع خصم لم يتمكن منه. الامتحان الحقيقي يبدأ حين يصبح الشيء في متناول اليد، وتصبح المخالفة ممكنة، ويكون الطريق إليها مفتوحًا، ثم يقول الإنسان لنفسه: لا. وهنا تكمن المفارقة: ليست كل يد لم تمتد إلى الحرام قد ردّتها التقوى؛ فبعض الأيدي كانت أقصر من أن تصل إليه. لذلك يجدر بالإنسان أن يكون أكثر حذرًا حين يتحدث عن خطايا الآخرين، وأقل شراسة في محاكمة المذنبين؛ فقد يكون أحدهم قد سقط في امتحان صعب، بينما لم يدخل ناقده ذلك الامتحان بعد. ولعل بعض ما نسميه «تقوى» لا تُثبت حقيقته إلا القدرة؛ فالعفة لا يظهر معدنها كاملًا إلا أمام الإغراء، والأمانة أمام المال، والتواضع أمام المكانة، والعدل أمام السلطة، والعفو أمام القدرة على الانتقام. أما قبل ذلك، فربما كان من الحكمة ألا تُعلَّق ميدالية التقوى على الصدر مبكرًا؛ فقد يأتي الامتحان متأخرًا، وحينها فقط تظهر النتيجة.