التراث.. وشائج اللغة والتاريخ

أزعم أنَّني اطَّلعتُ على عددٍ لا بأس به من كتب التراث، وفي أصناف مختلفة: التاريخ والأدب والرحلات. لم تكن قراءةً بعين المحقق، كالتي عند عبد السلام هارون، وليست قراءةً بمنهج التذوق، كالذي عند محمود شاكر، وإنما قراءةٌ يدفعها الشعور بالانتماء إلى هذه اللغة وهذا التاريخ الحضاري العريق. قراءة التراث ضرورة ليتعرّف الفرد إلى تراثه وتاريخه، خصوصًا ونحن نعيش هيمنة المعاصرة في شتى مجالات المعرفة، وفق المسار الطبيعي لتطور المجتمعات. ولا يوجد تعارض بين قراءة التراث والحداثة والمعاصرة، بل على العكس؛ أنظر إلى الأمم المتقدمة كيف تهتم بتاريخها وتراثها عبر المتاحف، وعمل الوثائقيات، ونحت تماثيل الأعلام والشخصيات، فضلًا عن الأفلام وكتب السير لرموزهم وشخصياتهم.
وما يُبقي هذه العلاقة قائمة مع هذا التراث إلى هذا اليوم هو تميّز هذه اللغة عن بقية اللغات. ومن أجمل ما قرأت مؤخرًا عن فرادة اللغة العربية كلام الكاتب والناقد عبد الفتاح كيليطو في كتابه ”لن تتكلم لغتي“، يقول:
«ومن المعلوم أن العربية المكتوبة، خلافًا للعربية المنطوقة، لم تتغير في العمق، ولم تطرأ عليها عبر التاريخ إلا تغييرات طفيفة وثانوية، إن من يستطيع اليوم قراءة نزار قباني يستطيع قراءة العباس بن الأحنف، ومن يقدر على قراءة صلاح عبد الصبور يقدر على قراءة صالح عبد القدوس، ومن بوسعه قراءة ”زقاق المدق“ بوسعه قراءة ”كتاب البخلاء“. وهذه ظاهرة غريبة عجيبة، قلّ أن نجد لها مثيلًا لدى شعوب أخرى».
وعن الحاجة إلى التراث لتأسيس ثقافة أصيلة وعميقة، تلاحظ أثر ذلك التأسيس على أبرز الكتّاب العرب، مثل العقاد وطه حسين ومحمود شاكر وزكي مبارك وغيرهم. وتقرأ ذلك في سيرهم وأخبارهم، وتلمس تأثرهم بالتراث قراءةً وبحثًا وتحقيقًا، إلى أن امتلكوا الأسلوب الرشيق، والعبارة المتينة، والرأي السديد، والفكر النيّر. وكنت دائمًا ما أستحضر في الذهن تعلّق الأستاذ العقاد بالكتاب الموسوعي ”العقد الفريد“ لابن عبد ربه الأندلسي، وكيف أن كتابات العقاد تنضح بجماليات هذا الكتاب من أدب وتاريخ وحكمة.
وأتذكّر أن شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري قد أشار في كتابه ”ذكرياتي“ إلى أثر قراءة خطب نهج البلاغة وحفظها، وقصائد المتنبي، ومطالعات في ”البيان والتبيين“ للجاحظ و”الأمالي“ للقالي، على ثقافته وأشعاره.
وإن لم تكن قراءتك للتراث تامة ومستفيضة، فلا أقل من قراءة واطِّلاع يمنحك قدرًا لا بأس به من المعرفة بهذه اللغة وآدابها، وبالتاريخ وأحداثه، وبالأعلام وسيرهم وتراجمهم.














