آخر تحديث: 18 / 9 / 2026م - 11:27 ص

القيم والإدارة.. أيهما يُغيّر الآخر

الدكتور جعفر آل قيصوم


ليس كل من يتحدث عن النزاهة نزيهًا، ولا كل من يرفع شعار العدالة يمارسها، ولا كل مؤسسة تتحدث عن القيم أو تكتبها على جدرانها تجعلها حاضرة في قراراتها، فالقيم هي مجموعة المبادئ والمعتقدات والمعايير التي تشكّل بوصلة الإنسان الداخلية، بل وتؤثر في طريقة تفكيره، وقراراته، واختياراته، وحكمه على الأشياء، كما قد تحدد، بصورة واعية أو غير واعية، ما يراه الإنسان صوابًا أو خطأً، عدلًا أو ظلمًا، مقبولًا أو مرفوضًا.

فعلى سبيل المثال، قد يؤمن الإنسان بالنزاهة والصدق والأمانة وغيرها، لكن الاختبار الحقيقي لهذه القيم يظهر عندما تتعارض مصلحته الشخصية مع مصالح الآخرين، أو عندما تتعارض مبادئه مع ما يحقق له مكسبًا أو منفعة، كما ينسحب هذا أيضًا على المؤسسات، كل المؤسسات، فقد تتحدث مؤسسة ما عن العدالة والمساواة والشفافية، لكن قيمتها الحقيقية لا تظهر فيما تقوله أو تكتبه، وإنما في سلوكها عندما تتعارض هذه القيم مع مصالحها أو مصالح أصحاب النفوذ والقرار والمصلحة.

فالقيم في الإدارة ليست مجرد أنظمة ولوائح وإجراءات، إنما هي أيضًا ضمير وعدالة وأخلاق، وممارسات إنسانية، تظهر حقيقتها في المواقف والسلوكيات التي يكون فيها الإنسان أمام اختبار حقيقي بين ما يؤمن به وما يُحقق له مصلحته.

وإذا كانت الحكمة الصينية الشهيرة المنسوبة إلى ”كونفوشيوس“ تُذكرنا بأن أفكارنا تصبح كلمات، وكلماتنا تصبح أفعالًا، وأفعالنا تصبح عادات، وعاداتنا تصبح شخصيتنا، وشخصيتنا تصبح مصيرنا، فإن للدكتور الفراوي تعبيرًا عن هذه اللحظة الحاسمة التي يُختبر فيها هذا المصير، يقول فيه: «إذا أردت أن ترى الإنسان كما هو، أعطه ما يريد مرة، وامنعه مرة، ثم راقبه كيف يتغير حين يُمنح، وحين يُحرم؛ فردّة فعله ستُخبرك عنه بكل شيء».

ولعل هذا المعنى يفسر لنا لماذا لا تكفي معرفة الإنسان للقيم أو حملها، حتى نحكم على مدى التزامه بها، فمعرفة القيم أو حملها أو التحدث بها شيء، والقدرة على تطبيقها والالتزام بها عندما يكون مكلفًا أو صعبًا شيء آخر.

وهنا يمكن إسقاط هذه الفكرة على البيئة الإدارية في هذا المقال بصورة أكثر وضوحًا، فقد يكون المدير أو القائد عادلًا في معاملاته ومعلوماته وإجراءاته وأخلاقياته ما دامت العدالة لا تتعارض مع مصالحه الشخصية وأمينًا ونزيهًا ما دامت الأمانة والنزاهة لا تحرمه من مكسب أو منفعة، ومتسامحًا ومُتعاونًا ما دام الخلاف لا يمس شخصيته أو سلطته أو نفوذه، لكن عندما تصبح القيم في مواجهة مباشرة مع المصلحة الشخصية، تبدأ الحقيقة في الظهور.

والسؤال الأكثر عمقًا هو: هل تُغيّر القيمُ الإدارة وتوجّه قراراتها وممارساتها وسلوكياتها، أم أن الإدارة بما تملكه من سلطة ومصالح ونفوذ ولوائح وأنظمة هي التي تُغيّر قيم الإنسان والمؤسسة؟ وهل نحن مسؤولون عن القيم التي نتبناها، أم عن القيم التي نمارسها فعلًا؟

القيم والإدارة.. من يقود الآخر

وللإجابة عن هذه التساؤلات: يمكن القول إن العلاقة بين القيم والإدارة ليست علاقة أحادية الاتجاه، بل علاقة تأثير متبادل، فقد يدخل الإنسان المؤسسة وهو يحمل منظومة معروفة وواضحة من القيم والمبادئ، ثم يجد نفسه أمام بيئة إدارية تمارس النقيض، فتُكافئ المجاملة على حساب الكفاءة، والعلاقات الشخصية على حساب الاستحقاق، والصمت على حساب الصراحة، فيبدأ تدريجيًا في إعادة ترتيب أولوياته، ليس بالضرورة لأنه غيّر قناعاته ومعتقداته وآراءه دفعة واحدة، مع الفارق أن تغيير السلوك لا يعني بالضرورة تغيير القناعات، فقد يحتفظ الإنسان في داخله بإيمانه بالنزاهة، والعدالة، والشفافية، لكنه في النهاية يبدأ بإعادة ترتيب أولوياته العملية وفق ما تفرضه البيئة من مكافآت وعقوبات حتى تنشأ فجوة بين ما يؤمن به وما يمارسه.

وفي المقابل، قد يدخل الإنسان بيئة إدارية ما، أو منظومة إدارية ما، تُقدّر النزاهة، وتُكافئ الكفاءة وتُحمي العدالة وتُشجع على العمل والإنتاج، وتُحاسب على التجاوز والخطأ، فتجد القيم نفسها تنمو وتترسخ وتتحول من مجرد قناعات شخصية إلى سلوك مؤسسي.

وهنا تتضح العلاقة المتبادلة بين القيم والإدارة، فالقيم تستطيع أن تصنع إدارة عادلة ونزيهة وإنسانية، والإدارة تستطيع في الوقت نفسه أن ترسّخ هذه القيم أو تضعفها أو حتى تغيّرها مع مرور الوقت.

حين تصطدم القيم بالمصلحة.. من ينتصر

ليس من الصعب أو المُكلف أن يكون الإنسان أمينًا عندما لا يكلفه الصدق شيئًا، ولا أن يكون عادلًا حين لا تهدّد العدالة مكسبًا من مكاسبه أو امتيازًا من امتيازاته، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يصبح الالتزام بالقيم مكلفًا والتخلي عنها مربحًا.

ولعل أكثر المواقف دلالة على ذلك، لا تكون دائمًا في حالات الفساد الواضح أو التجاوز الصريح، بل في تلك المساحات الرمادية التي يستطيع الإنسان فيها أن يفعل ما هو صحيح، وأن يفعل ما يخدم مصلحته في الوقت نفسه، ثم يجد لنفسه مبررًا مقنعًا لأي من الخيارين، فقد يجد مديرٌ ما، أو مسؤولٌ ما، نفسه أمام قرار يتعلق بترقية أحد الموظفين، موظفًا أكثر كفاءة وخبرة واستحقاقًا، وآخر تربطه به علاقة شخصية أو اجتماعية أو اقتصادية أو عاطفية أو مذهبية، أو ربما يشعر أنه أكثر ولاءً وقربًا منه.

وهنا لا يكون الاختيار بين الصواب والخطأ، أو بين الاستحقاق والمجاملة، وإنما بين المعيار الذي يفترض أن يحكم القرار، والرغبة التي تدفع صاحب القرار إلى الاستثناء، وقد لا تكون المشكلة في أن المدير الذي يجهل من هو الأحق، ومن هو الأكفأ، وإنما في عدم قدرته على مواجهة ضغط العلاقة أو الخوف من خسارة النفوذ، أو فقدان القبول الاجتماعي والوظيفي.

وفي مثل هذه المواقف، لا تبدأ القيم بالسقوط دفعة واحدة، وإنما تبدأ غالبًا بجمل: «هذه حالة استثنائية»، و«المصلحة العامة تقتضي ذلك»، و«نحن نعرف ظروفه» وما إلى ذلك، ومع تكرار التبريرات لا يتغير السلوك وحده، بل قد يتغير المعيار والمقياس الذي نُحاكم به السلوك، فما كان يُعد بالأمس مجاملةً يصبح اليوم مرونة، وما كان يُسمى محاباة يصبح مراعاة للظروف وهكذا...

وقد أشارت دراسات السلوك التنظيمي إلى أن الأفراد الذين ينتسبون إلى المؤسسات أو المنظمات لا يتأثرون بالقواعد المكتوبة وحدها، بل يتعلمون من السلوك الفعلي الذي تكافئه المؤسسة وتتسامح معه، وهذا ما يُفسر لنا لماذا يبدأ بعض الموظفين حياتهم المهنية بقيم مهنية واضحة، ثم يتغير سلوكهم تدريجيًا، ليس لأنهم قرروا بالضرورة التخلي عن مبادئهم، وقيمهم، وإنما لأنهم اكتشفوا، مع مرور الوقت، أن الالتزام بها قد يكلّفهم أكثر مما يمنحهم، وأن مخالفتها قد تفتح لهم أبوابًا كانت مغلقة.

كيف نحمي القيم؟

المؤسسات لا تغيّر الإنسان دائمًا بالمواعظ والتعليمات، وإنما تغيّره من خلال نظام الحوافز، ونمط شخصية القدوة، وطريقة توزيع المهام والفرص، وما تسمح به وما تمنعه وما تتغاضى عنه.

وهكذا لا تسقط القيم دائمًا في مواجهة المصلحة سقوطًا مفاجئًا، بل قد تتآكل بصمت، تنازلًا صغيرًا بعد تنازل، وتبريرًا بعد تبرير، حتى يجد الإنسان نفسه في النهاية يمارس ما كان بالأمس يرفضه وينتقده، لا لأنه لم يعد يعرف الفرق بين الصواب والخطأ، بل لأنه اعتاد أن يرى الخطأ يتكرر دون أن يُسمى خطأ.

كيف تتحول القيم إلى سلوك مؤسسي

لا يتحقق تبنّي القيم بمجرد كتابتها في اللوائح، أو تعليقها على الجدران، أو ترديدها في الاجتماعات، فالقيمة التي لا تجد طريقها إلى السلوك اليومي تظل إعلانًا جميلًا بلا أثر في الواقع، وذلك لأن المؤسسات لا تُعلّم القيم بما تقوله عن نفسها، بقدر ما تُعلّمها بما تفعله، ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام المؤسسات، كل المؤسسات، ليس أن تحدد ما تؤمن به، بل أن تجيب عن سؤال أعمق: كيف نجعل هذه القيم حاضرة في اتخاذ القرارات وفي أساليب التعامل، وفي توزيع المهام والمسؤوليات، وفي محاسبة المقصرين ومكافأة المميزين.

فإذا كانت المؤسسة تتحدث عن العدالة، فهل تتجلى هذه العدالة في الترقيات والحوافز وتوزيع الفرص، وإذا أعلنت احترام الإنسان، فهل يظهر في طريقة مخاطبة الموظفين، والاستماع إليهم وصون كرامتهم، وإذا رفعت شعار النزاهة فهل تصمد أمام أول اختبار تتعارض فيه المصلحة الخاصة مع المصلحة العامة، وإذا تحدثت عن العمل الجماعي، فهل تكافئ روح الفريق، أم تظل تكافئ الفرد القريب أو الصديق.

وهنا تبرز قيمة التأمل في وصف الإمام علي للمتقين في حديثه مع همّام بن شُريح، كما ذكر ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، إذ لم يجعل التقوى ادعاءً داخليًا أو عنوانًا أخلاقيًا، بل ربطها بمظاهر سلوكية يراها الناس في الواقع، فقال : «منطقهم الصواب، وملبسهم الاقتصاد، ومشيهم التواضع» في إشارة عميقة إلى أن القيمة الحقيقية لا تُقاس بما يختزنه الإنسان من مبادئ وقيم، بل بما تنعكس به تلك المبادئ على أقواله وأفعاله وعلاقاته.

وفي الخلاصة يمكن أن نقول: القيم لا تُختبر عندما تكون سهلة أو بلا ثمن، وإنما عندما تصبح مكلفة أو تقف في مواجهة مصلحة شخصية، أو تهدد امتيازًا، أو تضع صاحبها أمام خيار صعب بين ما يؤمن به وما يرغب فيه، وعندها فقط نكتشف: هل نحن نمارس ما نؤمن به، أم نؤمن بما نمارسه؟