آخر تحديث: 14 / 9 / 2026م - 9:58 م

تجارب العالم في التوطين

الدكتور ماهر آل سيف *


التوطين الناجح لا يعني إغلاق سوق العمل أمام الكفاءات الأجنبية، ولا تركه مفتوحًا بلا ضوابط؛ بل يعني أن تكون الأولوية للمواطن، والاستقدام للحاجة، والتدريب للمستقبل، والرقابة لضمان العدالة.

ولفهم الصورة بصورة أبسط، يمكن النظر إلى عدد من التجارب العالمية:

أولًا: هونغ كونغ — «أثبت أنك لم تجد محليًا أولًا»

تقوم تجربة هونغ كونغ على مبدأ واضح في برنامج العمالة التكميلية:

- الأصل هو توظيف العامل المحلي.

- يسمح باستقدام العامل من الخارج عندما تواجه المنشأة صعوبة حقيقية في إيجاد موظف محلي مناسب.

- يجب على صاحب العمل تنفيذ عملية توظيف محلية قبل الاستقدام.

- عليه تقديم مبررات توضح حاجته الفعلية للعامل الأجنبي.

- لا يجوز أن يقل راتب العامل المستقدم عن متوسط الأجر المحلي للوظيفة المماثلة.

- العامل المستقدم مرتبط بالوظيفة وصاحب العمل المحددين في العقد.

- موافقة الاستقدام ليست دائمة، وإذا انتهى العقد وأرادت الشركة استمرار العامل فعليها تقديم طلب جديد.

- يدفع صاحب العمل رسمًا على العامل المستقدم، وتستخدم هذه الأموال في تدريب وإعادة تدريب العمالة المحلية.

- مخالفة أنظمة العمل أو شروط البرنامج قد تؤدي إلى منع المنشأة من الاستقدام لفترة قد تصل إلى سنتين.

الخلاصة من هونغ كونغ:

لا تمنع الاستقدام، ولكن اجعله خيارًا ثانيًا بعد إثبات عدم توفر المواطن المناسب.

ثانيًا: سنغافورة — «كلما وظفت محليين أكثر حصلت على مرونة أكبر»

تجربة سنغافورة من أكثر التجارب ذكاءً لأنها لا تعتمد على نسبة جامدة وحدها:

- الوظائف المرتبطة بتصاريح Employment Pass وS Pass يجب أن تعلن أولًا على منصة MyCareersFuture.

- يستمر الإعلان مدة لا تقل عن 14 يومًا متتاليًا.

- خلال هذه المدة يجب إعطاء الباحثين عن العمل فرصة عادلة للتقديم.

- لا ينبغي الاتفاق مع مرشح مسبقًا ثم وضع إعلان شكلي لإكمال الإجراءات.

- يجب أن يكون وصف الوظيفة والراتب حقيقيين ومتوافقين مع طلب استقدام العامل.

ثم تأتي المرحلة الأهم وهي نظام COMPASS:

- يحصل المرشح والشركة على نقاط.

- ينظر النظام إلى راتب المرشح ومؤهلاته ومهاراته.

- وينظر أيضًا إلى تركيبة القوى العاملة في الشركة.

- الشركات التي توظف عددًا أكبر من المحليين تكون لديها قدرة أفضل على استقطاب بعض الكفاءات الأجنبية.

- كما يؤخذ في الاعتبار تنوع الجنسيات وعدم اعتماد المنشأة بصورة مفرطة على جنسية أجنبية واحدة.

- وفي بعض تصاريح العمل ترتبط حصة العمالة الأجنبية بحجم العمالة المحلية في المنشأة.

الخلاصة من سنغافورة:

بدل أن نقول للشركة: «ممنوع أن تستقدم»، نقول لها:

وظّف أبناء البلد ودرّبهم، وسنعطيك مرونة أكبر لاستقدام المهارات التي تحتاجها فعلًا.

ثالثًا: أستراليا — «اختبر السوق قبل الاستقدام»

أستراليا تستخدم ما يسمى Labour Market Testing أو اختبار سوق العمل.

ومن أهم ملامحه:

- في عدد من تأشيرات العمل لا تستطيع المنشأة الانتقال مباشرة إلى الاستقدام.

- يجب أن تثبت أنها بحثت عن موظف داخل أستراليا.

- يجب الإعلان عن الوظيفة لمدة لا تقل عن أربعة أسابيع في الحالات المشمولة بالنظام.

- ويشترط استخدام إعلانين على الأقل.

- إذا لم تجد المنشأة الشخص المناسب، يصبح الاستقدام من الخارج مبررًا.

الخلاصة من أستراليا:

الاستقدام ليس أول خطوة؛ بل يأتي بعد اختبار حقيقي للسوق المحلي.

رابعًا: كندا — «هل سيضر الاستقدام بسوق العمل المحلي؟»

كندا تستخدم آلية أكثر عمقًا تسمى:

Labour Market Impact Assessment - LMIA

ومعناها ببساطة: تقييم أثر استقدام العامل الأجنبي على سوق العمل الكندي.

قبل السماح بالاستقدام يسأل النظام:

- هل يوجد كندي أو مقيم دائم يستطيع القيام بالوظيفة؟

- هل حاولت الشركة بالفعل التوظيف أو التدريب محليًا؟

- هل هناك نقص حقيقي في المهارة المطلوبة؟

- هل الأجر المعروض مناسب لسوق العمل؟

- هل الاستقدام سيعالج نقصًا فعليًا أم سيزاحم العمالة المحلية؟

وفي بعض المسارات يجب إجراء حملات توظيف محلية لعدة أسابيع قبل طلب العامل الأجنبي.

وفي المقابل، كندا لا تغلق الباب أمام الكفاءات النادرة؛ فهناك برامج تسمح باستثناءات لبعض الباحثين والخبراء والمهارات ذات القيمة العالية.

الخلاصة من كندا:

السؤال ليس: «هل العامل أجنبي؟» بل:

هل نحتاجه فعلًا؟ وهل سيضيف للاقتصاد أكثر مما يزاحم سوق العمل المحلي؟

ماذا نتعلم من هذه التجارب؟

رغم اختلاف الدول، نجد عدة مبادئ مشتركة:

1. المواطن أو المقيم الدائم يحصل على الفرصة أولًا.

2. الاستقدام مسموح عند وجود حاجة حقيقية.

3. يجب ألا يكون إعلان الوظيفة مجرد إجراء شكلي.

4. الوظائف النادرة تختلف عن الوظائف التي يوجد لها آلاف الخريجين المحليين.

5. الشركات التي توظف وتدرب المواطنين تستحق مرونة أكبر.

6. استقدام الخبرة الأجنبية يجب أن يساهم في نقل المعرفة لا أن يتحول إلى اعتماد دائم عليها.

7. المعلومات والوظائف والطلبات يجب أن تكون مرتبطة بمنصة رقمية تسمح للجهة المنظمة بمعرفة ما يحدث فعليًا.

استراتيجية توطين مثالية يمكن الاستفادة منها

ومن هذه التجارب يمكن بناء نموذج متوازن يقوم على سبع مراحل:

1. الإعلان المحلي أولًا

أي وظيفة قابلة للتوطين تعلن للمواطنين على منصة وطنية موحدة قبل السماح بالاستقدام.

2. إعطاء مدة كافية

مثلاً من أسبوعين إلى أربعة أسابيع بحسب نوع الوظيفة.

3. قياس المتقدمين

تسجل المنصة:

- عدد المتقدمين.

- عدد من تنطبق عليهم الشروط.

- عدد من تمت مقابلتهم.

- عدد المقبولين.

- أسباب عدم اختيار المؤهلين.

وبذلك نمنع ظاهرة الإعلان من أجل الإعلان.

4. تقسيم الوظائف حسب ندرة المهارات

بدل وضع نسبة واحدة على الجميع، تقسم الوظائف إلى:

- وظائف تتوفر فيها أعداد كبيرة من المواطنين.

- وظائف يمكن توطينها بالتدريب.

- وظائف فيها نقص محلي.

- تخصصات عالمية نادرة.

وكل فئة يكون لها نظام مختلف.

5. نظام نقاط للشركات

تحصل الشركة على نقاط مقابل:

- ارتفاع نسبة المواطنين.

- تدريب الخريجين.

- ترقية المواطنين إلى المناصب القيادية.

- انخفاض دوران الموظفين السعوديين.

- الاستثمار في التدريب.

- نقل المعرفة.

- الالتزام بالأجور المناسبة.

وكلما ارتفعت نقاط الشركة زادت مرونتها في استقطاب الكفاءات الأجنبية النادرة.

6. الاستقدام مقابل نقل المعرفة

إذا استقدمت الشركة خبيرًا نادرًا فلا تكون مهمته أداء الوظيفة فقط، وإنما:

يعمل + يدرب + ينقل المعرفة + يبني بديلًا وطنيًا.

فأفضل خبير أجنبي ليس الذي يبقى عشرين عامًا يؤدي الوظيفة نفسها، وإنما الذي يستطيع بعد سنوات أن يقول:

لقد تركت خلفي فريقًا وطنيًا يستطيع القيام بالعمل.

7. رقابة رقمية وليست ورقية

منصة واحدة تستطيع الجهات المختصة من خلالها معرفة:

الوظيفة - > الإعلان - > المتقدمين - > المقابلات - > التوظيف - > الاستقدام - > التدريب - > نسبة التوطين.

وبذلك تنتقل سياسة التوطين من مجرد قياس «كم سعوديًا وظفت؟» إلى سؤال أكبر:

كم سعوديًا وظفت؟ وكم دربت؟ وكم حافظت عليه؟ وكم رقّيت؟ وكم معرفة نقلت إليه؟

السعودية… من التوطين العددي إلى التوطين النوعي

المملكة قطعت شوطًا كبيرًا في التوطين القطاعي والمهني، ويمكن لتجارب العالم أن تقدم أدوات إضافية لتطوير المنظومة، لا استبدالها.

والمرحلة الأكثر تقدمًا يمكن أن تقوم على معادلة بسيطة:

السعودي المؤهل أولًا،

والسعودي القابل للتأهيل ندرّبه،

والمهارة النادرة نستقطبها،

والخبير الذي نستقطبه ننقل معرفته،

والشركة التي توطّن وتدرّب نكافئها بالمرونة.

بهذه المعادلة لا نخسر المستثمر، ولا نحرم المنشأة من الخبرة، ولا نغلق سوق العمل، وفي الوقت نفسه لا يبقى المواطن متفرجًا على وظيفة يستطيع أداءها.

فالتوطين الناجح ليس إحلال اسم مكان اسم؛ بل هو بناء إنسان، ونقل علم، وصناعة خبرة، وحماية فرصة، وتقوية اقتصاد.