حين تنادي الأندلس طائر الفينيق

اليوم هو الرابع من مايو في بداية القرن السادس قبل الميلاد. الساعة السادسة والنصف صباحاً. نحن نقف على رصيف الميناء الشمالي لمدينة صور، وينكشف عن يميننا الجدار الخارجي من سور المدينة، تتلألأ حجارته الصقيلة بأشعة شمس الصباح. الحبال الكتانية الغليظة تُحلّ عن الأوتاد الحجرية المتينة، ورائحة زيت القطران وصمغ الأرز تنبعث نفاذة من أسفل السفينة الراسية، بينما يتصاعد صُراخ التجار وهتَافهم المشرقيّ المترع بالحروف الحلقية وأصوات القاف والعين والخاء. هكذا يصبح الميناء، وهو يضج بالحركة، فتطلق الأبواق إيذاناً بإرخاء السلاسل الحديدية الضخمة الممدودة بين برجي فوهة الميناء، لتغوص في القاع وتفسح الطريق للأسطول بالخروج نحو مياه المتوسط المفتوحة.
لم تكن السفينة الراسية عند الرصيف حربية طويلة، بل كانت من طراز الجلّة أو الجولوس، أو ما يُعرف في الكتاب المقدس بـ ”أونِيَّات ترشيش“. والأونيّة هي السفينة في لغة أهل صور ولنا من صداها كلمة إناء. أما ترشيش فهي الوجهة النهائية التي تقصدها هذه السفينة على الضفة الغربية من شبه الجزيرة الأيبيرية، أي إسبانيا. لم تُبنَ هذه القلاع العائمة بدافع النزهة أو المناورة الساحلية السريعة، بل صُمّمت خصيصاً لغرض واحد: الشحن القارّي العابر للمحيطات، ويتميز هيكلها بالبطن المقعر العريض المصنوع من خشب الأرز والبلّوط، والقاع الثقيل الذي يضمن اتزاناً عالياً أمام أمواج البحر المفتوح. أما هدفها، فلم يكن حمل الجيوش ودق طبول الحرب، بل اختزان مئات الأطنان من البضائع والمبادلات، وحمل الحرف المكتوب إلى أقصى التخوم الغربية للعالم المأهول. إنها أعجوبة من أعاجيب العالم القديم، بحمولتها التي تقدر بأكثر من ثلاثمائة طن من البضائع والزاد، ولها قدرة على البقاء في المياه دون الحاجة للرُّسو اليومي عند أي ميناء.
تتحرك السفينة ببطء متجاوزة مصدّ الأمواج الحجري. يقف الربّان، ولنعطه اسماً: يقف الربّان ”حنون“ بثبات على ”الكَوْتَل“ «سطح مؤخرة السفينة المرتفع»، يداه الضخمتان تقبضان على مقبضَي مجدافين ثقيلين جانبيين يعملان كدفّة توجيه حاسمة ولعله يستعين برقيبه على المجداف الثاني. في هذه اللحظات الأولى، لا صوت يعلو فوق إيقاع ضربات الطبل الخشبي المكتوم، الذي يعمل على إيقاعه ثلاثون مجدافاً خشبياً طويلاً تدخل الماء وتخرج بانتظام موجّه، يحرّكها بحارة سُمُر الوجوه، حتى تتجاوز السفينة التيارات الساحلية الخادعة وتستقبل الرياح المفتوحة.
ولكي نفهم السر لهذا الشغف الشرقي بالغرب في مطلع القرن السادس قبل الميلاد، نُطيل النظر إلى مدينة صور التي كانت تعيش قلقاً وجودياً خانقاً. فحصار نبوخذ نصر الثاني البابلي يطبق على برّها، والإتاوات الآشورية السابقة أفرغت الخزائن من الفضة. ويتصاعد داخل قاعات القصر الملكي صراع بين جناحين: جناح يرى الانكفاء وانتظار الرحمة، وجناح يرى الانعتاق بالتجارة البحرية حين اعتبرها الرئة الوحيدة التي ستتنفس منها المدينة. ويرمي ببصره نحو ما يقع خلف أفق المغرب، من مناجم أيبيريا البكر. فكان القرار جازماً: إن لم نملك من المشرق بره، فلنا في بحار الشرق والغرب متسع وزاد.
تعتمد ”أونِيَّة ترشيش“ في دفعها الأساسي على شراع مربع ضخم مصبوغ باللون الأرجواني، معلق على صارية مركزية واحدة. أما المجاديف الثلاثون «خمسة عشر على كل جانب»، فليس هدفها قطع المسافات الطويلة، بل المناورة الدقيقة للخروج من أزقة الميناء الصخرية، أو الاستعانة بها عند انعدام الرياح. يصدر الربّان ”حنون“ أمره بصوت خشن، فيرتفع الشراع ليُكتَنَز برياح الشرق، وتبدأ أخشاب الهيكل بالصرير وهي توزّع الحمل الهائل من قاعدة الصاري إلى بدن السفينة. تنحرف السفينة بجسارة بعيداً عن الشاطئ، كاسرةً العرف البحري القديم المتمثل في الإبحار على مرمى بصر من اليابسة. وهكذا تُخلّف السفينة رؤوس الجبال وراءها وتغوص في ”العمق الأسود“ من البحر. لا معالم أرضية هاهنا للاهتداء بها، فالربان حنون ومساعده يوجهان الدفة غرباً بثقة لا تنكسر، مهتدين ببوصلة واحدة. مسمار فضّي واحد، دقه إله السماء في سقف العالم: إنه ”نجم الجُدَيّ“، أو النجم الفينيقي كما عرفه اليونانيون لاحقاً أو النجم القطبي كما نعرفه اليوم.
لم تكن الرحلة ركوباً أعمى للمجهول، بل إبحاراً عبر محطات أرست قواعدها أجيال من البحارة. فأولى المحطات وأقربها من صور هي جزيرة كيتي أو قبرص وهي محطة تجارية مهمة لشراء النحاس والفلزات الأخرى. وكانت هذه المحطة مخصصة لتفقد بدن السفينة والتزود بالمياه في توقفٍ سريع لا يستدعي الإطالة فيه إلا ما تفرضه صفقات المبايعة. أما المحطة الثانية فكانت في ملاط أو مالطة ومعناها الحرفي ”الملاذ“. ومنها تُجدد السفن مخزونها من الماء ومن الأسماك المجففة. ثم الوصول إلى أم مدن الغرب ودرعها الحصين قرت حدشت «قرطاج» والحارسة لمضيق صقلية. يليها جزيرة إيبوسيم «إيبيزا» وهي الملجأ الثاني في عرض البحر المفتوح حين تثور العواصف. وأخيراً يعبر أسطول رباننا حنون مضيق جبل طارق ليصل إلى غادير «قادش» حصن الفينيقيين الذهبي في الغرب.
ويمكننا أن نجمل باطمئنان تام تؤيده الدقة التاريخية والأثرية، أن كل هذه المحطات هي مدن ومستوطنات رادها ورفعها أهل الساحل المشرقي بعبقريتهم الريادية.
بعد أسابيع من مصارعة الموج، واختراق مضيق جبل طارق يعانق أسطولنا العتيد مياه الأطلسي، ثم يعرّج نحو مصب نهر الوادي الكبير. وفي أرض ”تارتيسوس“ «ترشيش» لا تنزل الجيوش مدججة بالحديد والنار، بل ينزل التجار بمشاعر الحنين لليابسة وبوعود المنفعة المتبادلة. تُفرغ السفينة أقمشتها المصبوغة بالأرجوان الصوري، والزجاج الملون، وزيت الزيتون، وألواح الخزف المنقوشة بأحرف الأبجدية التي تنظم عقود البيع وحفظ الذمم. وفي المقابل، تُحمل أحشاء السفينة بسبائك الفضة الخالصة والقصدير. وكان التعامل يتم على الشرف بالآجل والتراضي بالعاجل، لتبنى بيوت الغد ولا تهدم مدن الأمس.
من هذه الأسواق المينائية، نشأت أحياءٌ للتجار الفينيقيين، جنباً إلى جنب مع القرى والأحياء الأيبيرية. ومع تعاقب السنوات، تجذر هؤلاء التجار حتى عمروا مدناً فينيقية كاملة أصبحت امتداداً شكلياً وروحياً لصور وقرت حدشت في مسالمة وتراضٍ تام مع أهل الأرض.
ولم يمحُ الزمن ذكرى هؤلاء الشركاء من أرشيف الأرض. ففي الذاكرة الشعبية الأيبيرية، ظل ”رجال البحر المشرقيون“ حاضرين، ليس بوصفهم فاتحين، بل باعتبارهم التجار الذين جاؤوا بالحرف والميزان والزيتون. كان تأسيساً حضارياً غُرس في الأرض والوجدان، وأفعم ذاكرة شفاهية وُرِّثت عبر الأجيال بلا تكلّف. وحين تعاقبت عليهم قوى الوسط الأوروبي في القرن الثاني قبل الميلاد، لم تكن هذه الذاكرة مجرد حنين إلى الماضي، بل صارت بذرة انتظار. فكلما اشتد الظلم، عادت الصورة القديمة لمشرقيين أسسوا لشراكات ابتعدت عن الإجبار والقهر.
لكن كيف بقيت هذه الذاكرة حية كل هذه القرون؟ الجواب يكمن في الأسطورة الشعبية المتوارثة. فالمداهمة الرومانية لأيبيريا، في القرن الثاني قبل الميلاد، لم تكن مصادفةً عاثرة، بل جاءت بعد سقوط الفينيقيين عن عرشهم البحري الذي أسس قبل ألف عام، وتدمير أم مدنهم في الغرب، ”قرت حدشت“. هذا الحظ العاثر لم يكن على الفينيقيين وحدهم، بل امتد إلى كل حلفائهم في المتوسط وشبه الجزيرة الأيبيرية. وبعد سبعة قرون متقلّبة من حكم الرومانَ، جاء ملوكُ الفندال خلفاً لهم «ومن اسمهم جاء اشتقاق اسم الأندلس» ثم جاء القوط في فترة امتدت لثلاثة قرون، أهلكوا خلالها الحرث والنسل وساموا الناس سوءاً في أرزاقهم وعباداتهم، حتى صارت ذكرى الرومان فأل خير وأصبحت الحكايا القديمة ملاذاً للمخيال الشعبي. فعاش الأيبريون كابوس الحاضر وجوره وهم يحلمون بحلفاء الماضي.
ولذا، حين أطلّ القرن الثامن الميلادي، لم يكن دخول العرب غزواً أجنبياً غريباً على شواطئ مجهولة. مع ذلك، فإن استحضار هذا الإرث الفينيقي والذاكرة المشرقية يُفسّر آليات التقبل الشعبي والانتقال السلس للحكم، دون أن يعني ذلك بالضرورة إسباغ مشروعية أخلاقية مطلقة على فعل العبور العسكري ذاته، أو التبرير لمفهوم ”الفتح“ بحمولته السياسية والإمبراطورية. فالتاريخ يشرح الظواهر وآلياتها ولا يمنحها غطاءً أخلاقياً. غير أن تطوّرات الواقع الميداني أثبت أن الدخول الجديد لم يقع على شواطئ مجهولة، بل جاء في لحظة استغاثة شعبية واستجابة لانهيار المنظومة القوطية وبعثاً لعهد قديم. استدارت السفن وانطلقت الرايات تحت مظلّة حلف إسلامي الملامح، جمع بين عرب المشرق وأفاريق المغرب من بحارة البربر وجنودهم، قادمين بلسان تعرف حواسّه الأرض وتألفه ذاكرتها الممتدة. أطل شركاء الأمس لا بصفة الفاتحين بالقهر، بل حلفاءَ استقبلتهم القبائل الأيبيرية بالتراضي، لتكسر أطواق الاستبداد القوطي، ويُعاد إرساء القسطاس والميزان الذي أرساه أجدادهم قبل ألف وثلاثمئة عام. فما بُني بالكلمة وحفظ الذمم استعصى على الاندثار، وثبت أن ما أُسس بالحق يستردّ أهله ولو بعد حين. فالأندلس، حين يشتد بها الظلم، لا تستغيث إلا بأبنائها من الأمس.














