جدة غير
وما زال سؤال الأسبوع الماضي يرافقني، كأنه لم يُغلق بعد:
إذا كان يومٌ واحد في العاصمة يبدو بهذا القدر من الاتساع، فكيف يمكن لزائرٍ أن يدّعي أنه رأى المملكة كاملة؟
يقال إن جدة مختلفة..
وكأن هذا القول يجد صداه في بيتٍ للأمير الراحل بدر عبدالمحسن:
كلما جاء الطاري في عرسٍ أو خطوبة
قلنا: من هي العروس؟
قالوا: جدة
وهذا يبدو حقيقيًا بالنسبة لي، خاصة أنني أعشق البحر وصوته؛ حين يبدأ المشهد من البحر، لكنه لا ينتهي عنده، بل يبحر بعيدًا.
على شاطئها، لم يكن الإعلان عن رحلة بحرية عادية، بل عن تصور مختلف للاحتفال بالوطن. رحلة بحرية خاصة باليوم الوطني عبر البحر الأحمر، تتحول فيها المناسبة من لحظة احتفاء إلى تجربة تُعاش. وعلى سطح السفينة تتجاور الموسيقى السعودية بين العزف الأوركسترالي وأصوات الجاز، في صورة تعكس هوية قادرة على التعبير عن نفسها خارج أطرها التقليدية.
توقفت عند هذه الفكرة: كيف يمكن للاحتفال أن يتحول إلى رحلة؟ وكيف يمكن للهوية أن تُعاش بدلًا من أن تُعرض؟
ومن جدة إلى موسكو، يظهر هذا الامتداد غير المرئي بين الخارج والداخل، لتتشكل فكرة واحدة: أن ما يُقدَّم ليس حدثًا منفصلًا، بل جزء من حركة أوسع.
لم تكن المسافة انتقالًا جغرافيًا فحسب، بل تبدلًا في طبقات المشهد نفسه.
حيث تختتم هيئة الأدب والنشر والترجمة مشاركتها في معرض الكتاب الدولي، حاملة معها حضورًا ثقافيًا لا يُقدَّم بوصفه تعريفًا، بل كصوت أدبي سعودي يصل إلى قراء جدد خارج حدوده الأولى. غير أن ما يُقدَّم في الخارج لا ينفصل عما يتشكل في الداخل.
لكن ما لا يُرى في التجربة أن كل حضور في الخارج يقابله عمق في الداخل، حيث تتشكل الذاكرة بهدوء.
ففي مكتبة الملك عبدالعزيز العامة، تُستعاد طبقة من الذاكرة، حيث تظهر المخطوطات الأندلسية، لا كآثار صامتة، بل كنصوص عبرت أربعة قرون لتبقى حاضرة في الوعي الثقافي.
بين البحر والمعرض والمخطوطات، يتشكل مشهد واحد متماسك: المملكة لا تتحرك في اتجاه واحد، بل ضمن مستويات متوازية من التجربة والزمن.
وفي هذا المشهد، يتضح أن جودة الحياة لم تعد مرتبطة بالمكان وحده، بل بقدرة الإنسان على أن يعيش تواصلًا مستمرًا بين ما كان وما هو كائن.
لم تعد التجربة تُقاس بحدث منفصل أو مدينة بعينها، بل بكيفية تكامل هذه العناصر لتصنع إحساسًا أوسع بالمعنى.














