الطفل الذي تأخّر عن الرحيل

هذا المساء،
عدتُ إلى البيت متعبًا
كما يعود الرجال عادةً؛
بخطواتٍ تعرف الطريق،
ووجهٍ عبرتْه الحياةُ،
وتركت على ملامحه شيئًا منها،
وجيوبٍ مزدحمةٍ بالمفاتيح،
وقلبٍ يحمل أكثر مما يقول،
وأشياء كثيرة
لم يكن الصغير الذي يسكن ذاكرتي
قد تعلّم أسماءها بعد.
وضعتُ مفاتيحي على الطاولة،
وأسندتُ إلى الكرسي نهارًا ثقيلًا،
ثم جلستُ قرب النافذة
أراقب آخر الضوء
وهو يطوي ظلاله عن الجدران.
لم يكن في المساء شيءٌ استثنائي،
شارعٌ يمضي في عادته،
سياراتٌ تبحث عن نهايات يومها،
ضوءٌ يولد خلف نافذة،
وآخر يخبو،
وصوت طفلٍ بعيد
يطارد كرةً
وتسبقه ضحكته.
ضحكة واحدة فقط…
لكنها عبرت إليّ
من جهةٍ لا يصل إليها الشارع،
من عمرٍ ظننته ابتعد بما يكفي،
وفجأة،
خفَّ عن كتفي كلُّ ما صرتُ إليه.
ووجدتني هناك…
صغيرًا،
أركض لأن الركض كان يكفي،
وأضحك لأن الفرح
لم يكن يحتاج إلى سبب،
وأرجع آخر النهار
وثيابي تحمل تراب اللعب،
وركبتاي تحملان آثار مغامراتٍ صغيرة،
كنت أراها،
بكل يقين الأطفال،
أعظم ما يمكن أن يحدث.
يا الله…
كم كان العالم واسعًا
حين كانت أقدامنا صغيرة.
كان آخر الحي
أبعدَ مكانٍ نعرفه،
وكان المساء يأتي بطيئًا
كأنه يمنحنا دقيقةً أخرى للعب،
وكانت أمهاتنا
ينادين أسماءنا من بعيد،
فنؤجل الرجوع
مرةً بعد مرة،
كأن النهار
يمكن إقناعه بالبقاء.
كنا نملك القليل،
لكن القليل يومها
كان يتّسع لكل شيء.
كان يكفيني من السعادة:
كرةً أنهكها اللعب،
دراجةً يتناوب عليها أكثر من طفل،
حفنةَ حلوى،
وقروشًا معدودة
نختلف طويلًا
في الطريقة الأجمل لإنفاقها.
لم نكن نعرف
أن السعادة يمكن أن تصبح سؤالًا.
كانت تحدث فحسب.
في رشفة ماء
بعد ركضٍ طويل،
في يد أمٍّ تمسح الغبار عن وجوهنا،
في أبٍ يعود إلى البيت
فتتغير هيئة المكان،
وفي ليلةٍ ننام فيها
من شدّة التعب
قبل أن نكمل حكاياتنا.
كبرنا…
ولا أعرف متى حدث ذلك بالضبط.
لم يأتِ أحدٌ ليخبرنا
أن طفولتنا انتهت،
ولم نودّع الأزقة
ولا الألعاب
ولا تلك النسخة الخفيفة من أرواحنا.
كل ما حدث
أن الأيام أخذتنا
قليلًا قليلًا.
غدا الصباحُ موعدًا،
والطريق التزامًا،
والوقت شيئًا نخشى أن نفقده،
وصارت أيدينا
تحمل ما هو أثقل من الألعاب.
حتى الضحك…
ذلك الذي كان يخرج منّا كاملًا،
صار يمرّ أولًا
على شيءٍ في الداخل
يسأله:
هل الوقت مناسب؟
كم هو غريب
أن يكبر الإنسان
حتى يحتاج إلى إذنٍ من نفسه
كي يفرح.
فأخذني الحنين…
هذا المساء،
وأنا أستمع إلى ذلك الطفل البعيد،
تذكرتُ رائحة التراب
حين يلامسه المطر لأول مرة،
وبرودة البلاط
تحت أقدامنا في الصيف،
والماء الذي كنا نشربه مسرعين
ثم نعود إلى اللعب
كأن التعب لم يمر بنا.
تذكرتُ جيوبنا الصغيرة
حين كانت تمتلئ
بأشياء لا قيمة لها عند أحد:
حجرٍ أعجبنا شكله،
قطعة زجاجٍ ملوّنة،
أو شيءٍ مجهول
قررنا أنه كنز.
كم كنّا أغنياء
بما لا يُباع.
وكم صرنا نملك أشياء كثيرة
لا تعرف كيف تمنحنا
ذلك الشعور القديم بالاكتفاء.
كبرتُ،
وتعلّمت أن بعض الطرق
لا تقود إلى حيث نريد،
وأن النوايا الطيبة
لا تكفي دائمًا،
وأن القلب قد يتعب
من أشياء
لا يراها أحد.
تعلّمت أن الخسارات
لا تأتي كلها بصوتٍ عالٍ؛
بعضها يدخل حياتنا بهدوء،
ثم نكتشف بعد سنوات
أن شيئًا فينا
لم يعد كما كان.
لكنني تعلّمت أيضًا
أن الإنسان،
مهما أثقلته الأيام،
يحتفظ في مكانٍ خفيّ منه
بشيء لا تستطيع السنوات
أن تأخذه كله.
شيءٍ صغير،
عنيد،
يعرف كيف يندهش.
يستيقظ أمام رائحةٍ قديمة،
أو لعبةٍ نراها في يد طفل،
أو نداء أمٍّ لابنها
في آخر النهار.
وحين يستيقظ،
نشعر للحظة
أن المسافة بين الأمس واليوم
لم تكن طويلة
كما تصورنا.
رفعتُ رأسي نحو السماء.
كانت العتمة قد اكتملت،
والنوافذ من حولي
مضيئةً كحكاياتٍ لا أعرفها.
وفكرت:
كم طفلًا كان يقف يومًا
خلف كل رجلٍ يمر في هذا الشارع؟
كم واحدًا منهم
كان يركض حافيًا،
يخاف من الظلام،
ويؤمن أن أباه
أقوى رجلٍ في العالم؟
وكم واحدًا
كان يحلم بأن يكبر سريعًا
دون أن يعرف
أن الكبار أحيانًا
يتمنون لو يستطيعون
العودة ساعةً واحدة فقط؟
ليس لتغيير شيء،
ولا لاستعادة شيء،
بل ليجلس الواحد منهم
في مكانه القديم،
بين الوجوه التي أحبها،
ويشعر مرةً أخرى
أن العالم،
على اتساعه،
آمن.
فهمتُ عندها
أننا حين نشتاق إلى طفولتنا
لا نشتاق دائمًا إلى الأيام نفسها.
نحن نشتاق إلى الطريقة
التي كنّا نرى بها الحياة.
إلى قلبٍ
لم يكن يعرف الاحتمالات السيئة،
وإلى صباحٍ
لا يحمل معه أكثر
من السؤال عن اللعبة التالية،
وإلى نومٍ
لا تسبقه محاكمة طويلة
لكل ما قلناه وفعلناه.
نشتاق إلى أنفسنا
حين كانت أرواحنا
أخفَّ من أن تتركها الأيام
منحنية.
مرّ الطفل في الشارع
واختفى صوته شيئًا فشيئًا.
عادت السيارات إلى سمعي،
وعاد المساء مساءً عاديًا،
وعادت الأشياء من حولي
إلى أماكنها.
المفاتيح فوق الطاولة.
الكرسي في مكانه.
والنافذة نصف مفتوحة.
لكن شيئًا واحدًا
لم يعد كما كان
قبل تلك الضحكة.
نظرتُ إلى يديّ طويلًا.
يدين قطعتا سنوات كثيرة،
صافحتا،
ولوّحتا مودعتين،
حملتا،
وأفلتتا.
وفكرتُ بتلك اليدين الصغيرتين
اللّتين حملتا البراءة ذاتها يومًا،
حين كانتا تمسكان الحياة
من أطرافها
دون خوفٍ من أن تنكسر.
ابتسمت.
لا لأن الحزن اختفى،
ولا لأن السنوات عادت،
بل لأنني أدركت
أن ذلك الصغير
لم يغب تمامًا.
لقد كبر معي
بطريقته الخاصة.
اختبأ حين ازدحمت الأيام،
وصمت حين صار الكلام كثيرًا،
وتراجع إلى مكانٍ بعيد
كلما ظننتُ
أن الصلابة هي الطريقة الوحيدة
لعبور الحياة.
لكنه بقي.
بقي في دهشتي
أمام المطر الأول،
وفي التفاتي إلى صوت كرة
ترتطم بجدار،
وفي فرحٍ صغير
يفاجئني أحيانًا
من دون موعد.
بقي في الأشياء
التي يسكنها قلبي
دون أن أدري كيف،
وفي تلك الرغبة القديمة
أن أصدّق،
رغم كل ما عرفت،
أن غدًا
قد يحمل شيئًا جميلًا.
هذا المساء،
لم أعد إلى طفولتي.
هي التي جاءت إليّ
في ضحكة طفلٍ عابر،
وجلست بقربي قليلًا،
من غير أن تقول شيئًا.
وكأنها أرادت فقط
أن تطمئن عليّ.
وحين نهضتُ عن الكرسي
وأخذتُ مفاتيحي من فوق الطاولة،
شعرتُ أن النهار
لم يعد ثقيلًا كما كان.
أطفأتُ الضوء،
وتركتُ للنافذة
نصيبها من المساء.
لعل ضحكةً أخرى
تعبر منها يومًا.
ولعلّي،
وسط كل ما تبقّى من العمر،
لا أنسى مرةً أخرى
أن في داخلي
صغيرًا عرف الحياة قبلي…
وكان يعرف،
دون أن يدري،
سرًّا صغيرًا
نسيه الكبار:
أن الحياة
أبسط
مما ظننّا.














