يقرأ بطلاقة ولا يعرف أسماء زملائه.. ماذا فعلت سنوات كورونا ببعض الطلاب؟
كبر الأطفال الذين ولدوا في زمن الكمامة والعزلة، وفتحت الروضات والمدارس أبوابها إليهم لكن السؤال الذي تركته جائحة كورونا لم ينتهِ تمامًا: ماذا بقي في أطفال عاشوا سنواتهم الأولى في عالم محدود الاختلاط؟
الجائحة كانت واحدة، لكن البيوت لم تكن واحدة؛ طفل عاشها وسط إخوة يلعب ويتحدث معهم، وآخر كانت فرصته في لقاء أقرانه محدودة، وأسرة استطاعت صناعة بيئة غنية بالقراءة واللعب، فيما أصبحت الشاشة لدى طفل آخر هي وسيلة التواصل لديه.. هذه الحالات وغيرها دفعتنا للتحقيق في آثر الجائحة على الأطفال بعد مرور ما يقارب الشهر من انطلاق الدراسة.
لم يبدأ حسن الاختلاط بالأطفال إلا عندما بلغ الرابعة. وحين حاولت والدته أم حسن آل سعيد إلحاقه بالروضة، واجهت رفضًا شديدًا وبكاءً يوميًا، حتى تأثرت بمشاعره وقررت سحبه.
لكنها لم تتخلَّ عن تعليمه؛ استعانت بالكتب والمواد الصوتية والألعاب، والتحقت بدورات في التربية والتعليم، وحولت المنزل إلى ما تصفه بـ ”روضة صغيرة“.
تقول والدته: ”اكاديميا يعرف كل شيء، وما شاء الله يقرأ، لكن اجتماعيًا لا يكوّن صداقات، ولا يعرف كيف يرد على الآخرين خارج محيط العائلة“
وتضيف في حديثها لـ ”جهات الإخبارية“ واليوم، بعد دخوله المدرسة، لا تزال الصعوبة حاضرة؛ إذ يشتكي أحيانًا أنه لا يعرف أحدًا ولا يتحدث مع أحد، حتى إن أسماء بعض زملائه لا يعرفها".
تقدم أم نبأ تجربة مختلفة؛ فلم تلاحظ خلال سنوات الجائحة شيئًا لافتًا في ظروف طفلتها مقارنة بإخوتها، لكنها لاحظت لاحقًا تأخرها في الكلام وحاجتها لجلسات متابعة في عيادة النطق.
ومع دخول الروضة ثم المدرسة، استطاعت الطفلة الاندماج، وهو ما تعزوه والدتها إلى دور معلماتها، إلا أن تكوين الصداقات بقي صعبًا، وتقول إنها حتى الآن لم تكوّن أصدقاء.
وتلاحظ الأم فرقًا واضحًا بينها وبين ابنها الأكبر الذي تصفه بأنه اجتماعي وحركي ومقبل على الحياة، بينما ترى لدى ابنتها صعوبة أكبر في التأقلم مع المحيط وتعلقًا بها، وتشعر بأن للجائحة أثرًا ما زال حاضرًا حتى اليوم.
وعلى الجانب الآخر، لا ترى أم منتظر ال سيف أثرًا واضحًا للجائحة على طفلها.
تقول إنه كان اجتماعيًا منذ صغره، وإن كان تفاعله في البداية يحدث غالبًا بوجودها أو وجود والده أو أحد إخوته، كما كان استخدامه للشاشات قليلًا، وبدأ الكلام والمشي مبكرًا.
أما التحدي الحقيقي فظهر عند دخوله الروضة. فبحكم بقائه معها بصورة مستمرة لكونها ربة منزل، كان الانفصال عنها صعبًا، واحتاج إلى وقت طويل حتى يتقبله، قبل أن يتحسن في السنة الثانية من الروضة.
واليوم تصفه والدته بأنه سابق لعمره في طريقة التفكير والشخصية، وقادر على التواصل حتى مع أشخاص أكبر منه سنًا، مؤكدة: ”لا أشعر أن الجائحة تركت أثرًا عليه“.
وترى أخصائية النطق غدير المسيري أن تأثير الجائحة لا يمكن التعامل معه بحكم واحد يشمل جميع الأطفال، مستشهدة بطفلتين في محيط عائلتها وُلدتا خلال فترة الجائحة؛ إحداهما تمتلك محصولًا لغويًا وطلاقة تتفوق بها على مثيلاتها في العمر، بينما واجهت الأخرى مشكلات لغوية وتأخرًا ملحوظًا في النطق.
وتشير غدير إلى أن هذا الاختلاف يجعل من غير الدقيق عزو مشكلات النطق إلى الجائحة بصورة مطلقة، لكنها قد تكون عاملًا ساهم في زيادة التأخر لدى بعض الأطفال، في مرحلة يحتاج فيها الطفل إلى التواصل الاجتماعي وممارسة الأنشطة والتعرض المستمر للغة.
المسيري وهي أم لثلاثة أطفال ترى أن ظروف العمل والبقاء في المنزل دفعت بعض الأسر خلال الجائحة إلى استخدام الشاشات لملء وقت الأطفال، منوهة إلى احتمالية تسببه في مشكلات تتعلق بالنطق والانتباه والتواصل الاجتماعي.
وتؤكد على أن الكمامات قللت بعض الإشارات البصرية التي يستفيد منها الطفل في اكتساب اللغة، مثل متابعة حركة الفم وتعابير الوجه، مشددة على أن الفجوة اللغوية يمكن تداركها، وأن التدخل المبكر يصنع فارقًا، فكلما بدأ الدعم في وقت أبكر أصبح تدارك الصعوبة أسهل وظهرت النتائج بصورة أسرع.
من جهتها ترى الوكيلة شروق القاسم والتي تعمل بإحدى الروضات الحكومية، من واقع تعاملها مع الأطفال اختلافات عميقة تسمح بإرجاعها بصورة مباشرة إلى الجائحة، وتعتقد أن الفروق الحالية ترتبط بدرجة أكبر بالطفل نفسه والبيئة الأسرية وأسلوب التربية.
وتوضح أن الصورة داخل الروضة متنوعة؛ فهناك أطفال يتمتعون بتركيز مرتفع وتفاعل اجتماعي واستقلالية ولغة سليمة، بينما يحتاج آخرون إلى دعم أكبر، مرجعة الامر للفروق الفردية وليس سمة خاصة بجيل كامل.
وتقول إن غالبية الأطفال الذين تعاملت معهم يمتلكون قدرة جيدة على تكوين الصداقات وتقبل التعليمات، وإن الروضة لم تحتج إلى أساليب دعم استثنائية مرتبطة بكون الطفل عاش الجائحة، بل كان الدعم يقدم وفق احتياجات كل طفل.
وتشير إلى أن بعض الأطفال أظهروا منذ الأسابيع الأولى للدراسة حماسًا وتفاعلًا اجتماعيًا وأكاديميًا ملحوظًا، في حين احتاج آخرون إلى المتابعة، مؤكدة أن البيئة الأسرية وأسلوب التربية والفروق الفردية تظل عوامل أساسية في نمو الطفل النفسي والاجتماعي والتعليمي.
ويرصد أخصائي التربية الخاصة أحمد البراهيم صورة أخرى من خلال عمله مع الأطفال؛ إذ لاحظ اختلافات لغوية لدى شريحة ممن عاشوا سنواتهم الأولى خلال الجائحة، مع تفاوت التأثر من طفل إلى آخر بحسب البيئة المنزلية وفرص التفاعل المتاحة له.
ويقول إن أبرز الجوانب التي يظهر فيها التأثر غالبًا لدى هذه الحالات هي التواصل الاجتماعي واللغة التعبيرية، بما يشمل استخدام الكلمات وتكوين الجمل والتفاعل مع الآخرين، فيما تظهر لدى بعض الأطفال أيضًا صعوبات في اكتساب المفردات أو مهارات المحادثة وتبادل الأدوار أثناء التواصل.
ويرى أن قلة التفاعل الاجتماعي المباشر وزيادة استخدام الشاشات خلال فترة الجائحة من العوامل المحتملة، مؤكدا على أن الأمر لا يمكن إرجاعه إلى عامل واحد.
ودعا الأسر إلى طلب تقييم متخصص عند ملاحظة تأخر واضح في الكلام أو اللغة، أو صعوبة في فهم التعليمات، أو ضعف مستمر في التواصل والتفاعل الاجتماعي.














