آخر تحديث: 13 / 9 / 2026م - 2:27 ص

اقتصاديات اللوز 1/10

أثير السادة *


على أطراف أحد الشوارع الموصلة بين قرى القطيف، توقفت سيدة عجوز تسأل أحد باعة اللوز المتجولين أن يعطيها كمية من اللوز بقيمة 15 ريالًا، وهي كل ما كانت تمسكه بقبضة يديها، كان البائع حينها يستعرض الأسعار لأحد المشترين، هذا الصنف الكيلو منه بخمسين، وذاك بمئة ريال، طلب العجوز النحيلة وهي تخفي سنوات العمر خلف عباءتها السوداء جعل الحاضرين في هذا المشهد ينظرون بتعاطف من جهة، ويفكرون مليًا في الأسعار من جهة أخرى، لماذا خمسين ومائة وليس 15 ريالًا كما أرادت تلك السيدة القطيفية.

هذه اللون من الأسئلة لا يغيب عن أذهان المتابعين لموسم اللوز سنويًا، يحملونه معهم كلما نظروا إلى إعلانات المسوقين لهذه الثمرة اللذيذة، وكلما حاولوا المقارنة بينه وبين منتجات محلية أخرى، فلا شيء يشبه اللوز في سلوكه الاقتصادي بالمنطقة، ولا الأطراف المعنية بسوق اللوز قادرة على تقديم تفسير حقيقي لهذه الظاهرة التي نتج عنها فروقات كبيرة جدًا في الأسعار، بين البائع والآخر لذات المنتج وفي ذات اليوم.

الأصل في اقتصاديات الفواكه والخضار أن تكون عملية التسعير مبنية على آليات العرض والطلب، وعلى هامش المناورة التي يحاول من خلالها البعض الاستفادة من فوارق الأسعار بين صغار المزارعين وكبارهم، وبين البيع بالجملة والبيع بالتجزئة، هذه التفاعلات بين كل تلك العناصر من المفترض أن تكون الأساس في صياغة الأسعار، وتحديد هوامش الربح في السوق، تمامًا كما يجري في تسويق البضائع الأخرى من المنتجات التي تعرفها منصات بيع الفواكه والخضار.

قد يحدث أحيانًا ارتفاع في الأسعار ناتج عن التلاعب في كميات السوق عبر التخزين، أو التراجع في الامدادات من تلك السلع، غير أن ذلك كله لا ينطبق على سوق اللوز الذي لا يحتمل التخزين، لأنه ببساطة قد يفقد قيمته الاقتصادية في حال تأخر بيعه وتصريفه، ويصبح عرضة لمزيد من الانضاج الذي يضر بشكله وطعمه.. لذلك تبدو مراجعة اقتصاديات اللوز من خارج الصورة التقليدية للعلاقة بين العرض والطلب مدخلًا مهمًا لفهم هذا الوجه الاقتصادي الذي يكاد أن يكون لا رسميًا في طرق انتاجه والتجارة به ومن ثم تسويقه وبيعه…فهنالك حصة مهمة من هذا الانتاج تأخذ شكل الشراء المباشر من المزارعين، ولا تعرف الطريق إلى السوق المركزية، ويعاد بيعها مرة أو مرتين عبر وسطاء غير رسميين أيضًا وهذا يساهم في سحب الفائض من الانتاج والتحكم في أسعاره.

يتيح هذا الشكل الاقتصادي من التجارة القدرة على إبقاء الأسعار في مستويات مرتفعة، في ظل وجود طلب متزايد متأثر ببيئة السوشيال ميديا وإعلاناتها، ويساهم في توفير هوامش ربحية دائمة نظرًا لحجم الصفقات التي تجري في شكل توافقات بين المزارعين والموزعين بشكل مباشر طيلة الموسم، من دون التأثر بحجم التدفقات التي تشهدها ذروات الموسم مع نضوج مختلف أصناف اللوز المعروفة بالمنطقة.

هنالك إذن قوى فاعلة في السوق، قادرة على التحكم في هذا القطاع الزراعي صغير الحجم، مستفيدة من غياب القنوات التسويقية التي تجعل المنتجين والمزارعين يفضلون الذهاب إلى خيار البيع من خارج أطر السوق، لما تمثله من ضمانة ربحية بعيدًا عن تقلبات العرض والطلب التي تعرفها مختلف المنتجات الموسمية.

لكن هل هذا وحده ما يحافظ على سعر اللوز في مستويات عالية؟

نكمل لاحقًا