آخر تحديث: 13 / 9 / 2026م - 2:27 ص

الشاعر المعاتيق يحذر من تدني الذائقة الشعرية.. ويوثق جزيرة تاروت بالذكاء الاصطناعي

جهات الإخبارية إنتصار آل تريك - القطيف

كشف الشاعر والمصور الفوتوغرافي حبيب المعاتيق عن توجهه لتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في مشروعه القادم لتوثيق الأحياء القديمة في جزيرة تاروت، محذراً في الوقت ذاته من استهلاك المنصات الرقمية للذائقة الشعرية عبر ترويج مواد متدنية فنياً.

وأوضح المعاتيق خلال استضافته في الحلقة الخامسة من بودكاست ”كُناش“، التابع لـ ”سينما قروب“ والذي يقدمه أمجد القواعين، أن مشروعه الجديد يهدف إلى مزامنة الصور الشعرية التي تستعيد عبق الماضي مع صور مولدة بالذكاء الاصطناعي. مبيناً أن هذه التقنية ستعوض غياب الأرشيف البصري للحقبة الزمنية المستهدفة في قصائده.

وحذر المعاتيق من خطورة استهلاك الشعر عبر منصات التواصل الاجتماعي، مؤكداً أن سهولة الإنتاج والنشر جعلت المادة الشعرية متاحة للجميع بضغطة زر. مشيراً إلى أن هذا الانتشار السريع والسلس قد يؤدي إلى تغذية الجيل الجديد بمواد دون المستوى، مما يسهم في خفض سقف التذوق الشعري والإبداعي.

ولفت إلى الفارق الجوهري بين آليات التلقي الحالية والأمسيات الشعرية التقليدية. موضحاً أن الأمسيات كانت تخضع لنقد مباشر وبناء يرفع من مستوى وعي الشاعر، بينما المنصات الرقمية الحالية تتيح انتشار مقاطع غير موزونة ولا تمت للشعر بصلة وتصل لشريحة واسعة من الجمهور.

وتطرق إلى تجربته الشخصية في الفضاء الرقمي عبر مبادرة ”الخميس الونيس“، التي بدأت بنشر مقاطع شعرية وجدانية لا تتجاوز دقيقتين عبر منصة ”سناب شات“. لافتاً إلى أن الفكرة تطورت لاحقاً بإضافة المونتاج، لتنتشر بشكل غير متوقع عبر منصة ”إكس“ وتصل إلى جمهور واسع في دول خليجية وعربية كعُمان والبحرين، مما كسر عزلة القصيدة وأخرجها من برجها العاجي.

وفي مقاربته بين الشعر والتصوير، أكد المعاتيق أن الفنين يعتمدان أساساً على ”الصورة“، سواء كانت لغوية أو ضوئية. كاشفاً أن المصور يعتمد على اقتناص اللحظة بوجود الضوء والظل، بينما يمتلك الشاعر القدرة على خلق المشهد كاملاً من العدم بأشخاصه وإضاءته.

واستعرض تجربته في ديوانه الأول ”حزمة وجد“، الذي شكل مزيجاً جريئاً بين الفنين عبر دمج 30 صورة فوتوغرافية مع 30 قصيدة شعرية. مضيفاً أن تدشين الديوان تزامن مع إقامة معرض فوتوغرافي متخصص، مما وفر للمتلقي تجربة بصرية وشعرية متكاملة نالت استحساناً نقدياً وجماهيرياً واسعاً وحظيت بتغطيات إعلامية.

وعن اهتماماته البصرية، بيّن المعاتيق أنه يميل إلى تصوير حياة الشارع والبورتريه العفوي الذي يبرز عواطف الناس بحقيقتها. كاشفاً عن حرصه السنوي على التواجد في موسم الحج لتوثيق الحالات الروحانية والإنسانية، مما أثمر عن مجموعة فوتوغرافية بعنوان ”يا رب“ توثق لحظات الدعاء، والتعب، ودفع الكراسي المتحركة، وحتى التسوق.

وأشار إلى تفضيله المطلق لتصوير الأطفال لكونهم لا يتصنعون ولا يتسمرون أمام الكاميرا، مما ينتج صوراً طبيعية تعكس تقاسيمهم الحقيقية. موضحاً أن هذا الارتباط بالطفولة ينعكس أيضاً في قصائده التي تستحضر ذكرياته في قرية ”الربيعية“ بتاروت، وما تخللها من ألعاب شعبية وبحرية منحت نصوصه غنى نفسياً وثقافياً واجتماعياً.

وحول بداياته الشعرية، ذكر المعاتيق أن دخوله لعالم الشعر بدأ مبكراً من كتابة الأناشيد وقصائد الرثاء القصيرة. مشيراً إلى أن موهبته صُقلت فعلياً في جامعة الملك سعود بالرياض، إثر انضمامه لدورة في علم العروض نظمها زميله الشاعر عبدالله عمران لتأسيس قواعد الشعر الموزون.

وسرد المعاتيق تفاصيل طريفة عن أول مسابقة شعرية شارك بها في الجامعة بقصيدته الموزونة الأولى ”حبيبتي“، موضحاً أنه راجع الإدارة بعد أسابيع من الانتظار ليُفاجأ بإبلاغه بفوزه بالمركز الأول لكونه المشارك الوحيد. مبيناً أن القصيدة نُشرت لاحقاً في مجلة ”رسالة الجامعة“ وكانت الانطلاقة الفعلية لعالمه الشعري.

وأشار إلى أن زميله في تلك الدورة الجامعية لا يزال يحتفظ بمحاولاته الشعرية الأولى في ”صندوق خاص“، ويمازحه بمساومته عليها حتى اليوم.

وكشف المعاتيق أن قصيدته الفائزة ”حبيبتي“ كُتبت في الأساس لمدح والدته، مؤكداً أن الأم تمثل الوطن والأمان والحضن الدافئ، وتشكل الثيمة الأبرز في مجمل قصائده الوجدانية. ومبيناً أنه بصفته الابن الأصغر ”المدلل“ ارتبط بوالدته ارتباطاً وثيقاً لم تمحه سنوات الغربة والتنقل.

وبين أن والدته، رغم كونها أمية، كانت معلمته الأولى عبر الأهازيج والأغاني الشعبية ”التلولي“ التي غرست فيه بذور العاطفة الشعرية. واصفاً رحيلها بأنه شكل منعطفاً عاطفياً ومفصلياً في حياته، والذي ترجمه لاحقاً في نصوص موجعة أبرزها قصيدة ”الفراق“.

وعلى الصعيد الأكاديمي والمهني، أوضح أنه تخرج بتقدير ”جيد جداً“ في تخصص المحاسبة وعمل بها لسنوات لتميزه المبكر في الرياضيات. مشدداً على أن مهنة المحاسبة ”الجافة“ لم تتعارض إطلاقاً مع شغفه الأدبي، وأن الإنسان قادر على تنويع مسارات حياته بعيداً عن القوالب الجامدة.

واستذكر المعاتيق بتقدير بالغ معلمه الفلسطيني حسين عواد الذي درسه في المرحلة الابتدائية، مؤكداً أنه كان السبب المباشر في تعلقه المبكر بمادة اللغة العربية، وتحديداً في الإملاء والتعبير والنصوص والأناشيد.

وحول مقولة ”أعذب الشعر أكذبه“، أوضح المعاتيق أن الشعر لا يقوم على نقل الحقيقة المجردة كتقرير صحفي، بل يعتمد على التحليق في الخيال والمجاز. مشدداً على أن هذا لا يطعن في صدق إحساس الشاعر، بل يبرز تفننه في صياغة الكلمات للوصول إلى ذروة الانفعال العاطفي.

وذكر أن المنحنى العاطفي للقصيدة يشبه ”الغليان البطيء“، حيث تبدأ الشحنة العاطفية بسيطة ثم تتصاعد تدريجياً لتصل إلى أوجها في أبيات تمثل قلب القصيدة. لافتاً إلى أن اندماج الشاعر مع الموضوع، سواء كان يخصه شخصياً أو يعبر عن معاناة غيره، هو ما يحدد قوة النص وتأثيره على المتلقي.

وفيما يخص طقوسه الكتابية، أفاد المعاتيق بأنه يشترط العزلة التامة وإبعاد الهاتف المحمول، مفضلاً الكتابة في الأماكن الهادئة كالكورنيش أو المقاهي المنعزلة. مؤكداً التزامه المطلق بالكتابة على الورق حصراً، وأن القصيدة قد تتطلب أياماً من التحضير النفسي قبل ولادتها.

وأشار المعاتيق إلى تفاعل الجمهور مع نصوص معينة بشكل استثنائي، مستشهداً بقصيدة ”أخاف من فرط ما تمتد أن أضعك“، التي لاقت رواجاً واسعاً دون أن يتوقع ذلك. مبيناً أن نجاح القصيدة جماهيرياً لا يرتبط دائماً بكونها الأقوى فنياً لدى الشاعر، بل بمدى ملامستها لوجدان المتلقي وبساطة وصولها إليه.

وعلى الصعيد العائلي، أضاف أنه خصص قصيدة لزوجته بعنوان ”أغار“، جاءت استجابة لطلبها بعد أن تساءلت عن كثرة قصائده الغزلية دون أن تخصها بواحدة. كاشفاً أنه تهرب في البداية برد دبلوماسي متعذراً بغيرته من وصفها أمام الناس، قبل أن يرضخ لطلبها بنص شعري خاص.

وكشف أن عائلته الصغيرة تمتلك بيئة أدبية داعمة، حيث تتولى زوجته متذوقة الشعر مراجعة نصوصه ودواوينه، فيما تمتلك ابنته الكبرى ”آمنة“ موهبة واعدة في الكتابة الأدبية. مشدداً على أن الموهبة الشعرية قد تورث بالجينات لكنها تظل مرهونة بالقابلية والشغف الفطري.

وختم المعاتيق اللقاء، الذي اختتمه بإلقاء رباعيات قصيدة ”ضوضاء العظمى“، بالتأكيد على أن الشعر كائن حي ”لا يأتيك إن لم تذهب إليه“، وأن توقف الشاعر عن البحث الدائم عن جملة جديدة أو شعوره بالشبع والاكتفاء، يمثل لحظة ”الموت الشعري“ الحقيقية.